وفقًا لتقرير نشره موقع “ذا كريدل”، يسلط الكاتب أنيس رايس الضوء على ما يصفه بمحاولة أمريكية لإعادة ضبط النظام المالي العالمي عبر بوابة دول الخليج، من خلال مقترح إنشاء خطوط مقايضة بالدولار بين الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي ودول مثل الإمارات. وبينما يتم تقديم هذه الخطوة في الإعلام الغربي باعتبارها “شبكة أمان مالية” أو “دعمًا اقتصاديًا”، يشكك التقرير في هذا الطرح، معتبرًا أن الدول الخليجية لا تعاني أصلًا من أزمة سيولة، بل تمتلك احتياطيات وسيادية ضخمة تجعلها من أقوى اللاعبين الماليين عالميًا. ويطرح التقرير تساؤلًا جوهريًا حول ما إذا كانت هذه الآليات المالية الجديدة تهدف فعلًا إلى الإنقاذ، أم إلى إعادة ترسيخ هيمنة الدولار وربط النفوذ المالي بالولاء السياسي في مرحلة دولية شديدة التقلب.
الإمارات ليست بحاجة إلى إنقاذ.. بل النظام المالي الأمريكي هو الذي يحتاج دعمًا
يشير التقرير إلى أن الإمارات تمتلك احتياطيات نقد أجنبي وصناديق سيادية تُقدّر بتريليونات الدولارات، ما يجعل فكرة “إنقاذها” عبر خطوط مالية أمريكية أمرًا غير منطقي من منظور الأرقام. فبحسب التحليل، فإن ما تملكه أبوظبي وحدها يفوق حجم الصندوق الأمريكي المخصص للطوارئ المالية بعدة مرات، وهو ما يثير تساؤلات حول طبيعة هذه الخطوة. ويرى الكاتب أن الهدف الحقيقي ليس معالجة أزمة في الإمارات، بل حماية النظام المالي العالمي القائم على الدولار من أي تراجع محتمل في الثقة أو إعادة توجيه التدفقات المالية بعيدًا عن الولايات المتحدة.
خطوط المقايضة: أداة استقرار أم نفوذ سياسي؟
يوضح التقرير أن خطوط المقايضة بين البنوك المركزية ليست مجرد أدوات مالية تقنية، بل تمثل في الواقع “قنوات نفوذ” تتيح للولايات المتحدة التحكم في تدفقات السيولة العالمية في أوقات الأزمات. فهذه الآلية تسمح بتوفير الدولار للدول الشريكة عند الحاجة، لكنها في الوقت نفسه تربط تلك الدول بالنظام المالي الأمريكي بشروط سياسية ضمنية. ويشير التحليل إلى أن الإعلان عن هذه الخطوط في هذا التوقيت، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية في الخليج، قد يكون جزءًا من استراتيجية أوسع لإعادة تثبيت موقع الدولار في مواجهة تحولات عالمية متسارعة نحو بدائل مالية أخرى.
الخليج بين واشنطن وبكين.. صراع على النظام المالي القادم
يتناول التقرير بُعدًا آخر يتمثل في التنافس المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين على البنية التحتية المالية العالمية. فبينما توسعت الصين خلال السنوات الماضية في إنشاء شبكات مقايضة باليوان وأنظمة دفع رقمية عابرة للحدود، بدأت دول الخليج تدريجيًا في تنويع شراكاتها المالية والتجارية. ويشير الكاتب إلى أن بعض الدول الخليجية باتت تمتلك بالفعل قنوات مالية مع الصين، بما في ذلك آليات تسوية تجارية بعيدة عن الدولار، وهو ما يضع الولايات المتحدة أمام تحدٍ مباشر للحفاظ على مركزية عملتها في التجارة العالمية، خصوصًا في قطاع الطاقة.

التحول من “حماية أمنية” إلى “ربط مالي”
يربط التقرير بين التطورات المالية والتحولات السياسية في المنطقة، معتبرًا أن واشنطن تحاول إعادة صياغة علاقتها مع الخليج من نموذج “الحماية الأمنية مقابل النفط” إلى نموذج “الارتباط المالي مقابل الاستقرار”. ووفق هذا الطرح، فإن خطوط المقايضة ليست منفصلة عن السياسة الخارجية الأمريكية، بل قد تصبح جزءًا من منظومة أوسع تربط الوصول إلى السيولة بالدعم السياسي والعسكري الأمريكي. ويشير الكاتب إلى أن هذا التحول يأتي في لحظة تشهد فيها المنطقة توترات أمنية متصاعدة وتراجعًا تدريجيًا في الثقة بمدى التزام الولايات المتحدة بأدوارها التقليدية.
النظام المالي العالمي أمام مرحلة إعادة تشكيل
يخلص التقرير إلى أن العالم يقف أمام مرحلة إعادة تشكيل عميقة للنظام المالي الدولي، حيث لم يعد الدولار يحتكر وحده حركة التجارة العالمية كما في السابق. فمع توسع أدوات الدفع البديلة، وظهور شبكات مالية جديدة تقودها الصين ودول آسيوية أخرى، بدأت فكرة “القطب الواحد المالي” تتعرض لاختبار حقيقي. وفي هذا السياق، يرى الكاتب أن المبادرات الأمريكية الأخيرة قد تكون محاولة استباقية لإبطاء هذا التحول، عبر تعزيز الاعتماد على الدولار بدلًا من فقدانه تدريجيًا في الأسواق الناشئة والمراكز الاقتصادية الكبرى.
ماذا يعني ذلك؟
يشير التحليل في مجمله إلى أن ما يبدو كأدوات دعم مالي قد يكون في الواقع جزءًا من صراع أعمق على شكل النظام الاقتصادي العالمي في العقود القادمة. فإذا نجحت الولايات المتحدة في ربط دول الخليج مجددًا بشبكة الدولار عبر آليات مالية مرنة، فقد تعزز موقعها في مواجهة الصين. أما إذا استمرت الدول في تنويع شراكاتها المالية، فقد يتجه العالم نحو نظام أكثر تعددية في العملات والتمويل، ما قد يقلص تدريجيًا من هيمنة الدولار التي سادت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.



