كولومبيا تدخل عصر “حروب الدرون”.. الأطفال والمدنيون في مرمى نيران السماء
وفقًا لتقرير نشرته The Guardian، تشهد كولومبيا تحولًا خطيرًا في طبيعة صراعها الداخلي الممتد منذ أكثر من ستة عقود، بعدما أصبحت الطائرات المسيّرة المسلحة سلاحًا رئيسيًا بيد الجماعات المسلحة والعصابات المتمردة. هذا التحول لم يعد يقتصر على استهداف القوات الأمنية أو الخصوم المسلحين، بل امتد ليطال المدنيين بشكل مباشر، في مشهد يثير مخاوف متزايدة من دخول البلاد مرحلة جديدة أكثر دموية وتعقيدًا.

التقارير الميدانية كشفت أن الهجمات بالمسيّرات تضاعفت بصورة هائلة خلال العامين الأخيرين، مع استخدام الجماعات المسلحة لطائرات تجارية رخيصة الثمن معدلة لحمل المتفجرات وتنفيذ هجمات انتحارية دقيقة. ومع اتساع رقعة الاستخدام، أصبحت المدارس والمستشفيات والمنازل وحتى الملاعب أهدافًا محتملة، بينما يجد المدنيون أنفسهم في مواجهة تهديد قادم من السماء لا يمكن التنبؤ به أو الاحتماء منه بسهولة.
كرة قدم تنتهي بمجزرة.. بداية مرحلة الرعب الجديدة

واحدة من أكثر الحوادث صدمة وقعت في إقليم كاوكا جنوب البلاد، عندما كانت مجموعة من الأطفال تلعب مباراة كرة قدم مسائية قبل أن تظهر طائرة مسيّرة فوقهم وتلقي قنبلة أدت إلى مقتل طفل يبلغ من العمر 10 سنوات وإصابة 12 مدنيًا آخرين. الحادثة شكلت أول حالة موثقة لمقتل شخص في كولومبيا عبر هجوم بطائرة مسيّرة مسلحة.
لكن ما حدث لم يكن استثناءً، بل بداية لموجة متصاعدة من الهجمات. فمنذ ذلك الوقت، شهدت البلاد ضربات استهدفت مستشفيات ميدانية ومراكز شرطة وقواعد عسكرية وحتى منازل مسؤولين محليين. كما عُثر مؤخرًا على طائرة مفخخة قرب مطار بوغوتا الدولي وقاعدة عسكرية مجاورة، في مؤشر على اتساع نطاق التهديد ليصل إلى قلب العاصمة.
الجماعات المسلحة تطور تكتيكاتها بسرعة

بحسب محللين أمنيين، كانت الفصائل المنشقة عن حركة Revolutionary Armed Forces of Colombia المعروفة باسم “فارك” أول من أدخل الطائرات المسيّرة إلى ساحة القتال، قبل أن تتبعها جماعات أخرى مثل National Liberation Army. وتعتمد هذه الجماعات على طائرات تجارية منخفضة التكلفة يتم تعديلها محليًا لحمل قنابل أو قذائف هاون.
الأخطر أن هذه الجماعات بدأت مؤخرًا باستخدام طائرات “FPV” الانتحارية، وهي طائرات يتم توجيهها يدويًا بشكل مباشر نحو الهدف حتى لحظة الانفجار، وهو تكتيك مستوحى بشكل واضح من الحرب الروسية الأوكرانية. هذا التطور يمنح الجماعات المسلحة قدرة أكبر على تنفيذ ضربات دقيقة ضد أهداف متحركة، بما في ذلك المركبات العسكرية والطائرات والمراكز الأمنية.
المدنيون يدفعون الثمن الأكبر

رغم أن كثيرًا من الهجمات تستهدف قوات الجيش والشرطة، فإن المدنيين أصبحوا الضحية الأكثر عرضة للخطر. فالهجمات غالبًا ما تُنفذ بدقة محدودة، ما يؤدي إلى إصابات عشوائية داخل الأحياء السكنية والقرى النائية. كما تستخدم بعض الجماعات المسيّرات كوسيلة ترهيب نفسي عبر التحليق فوق القرى والمجتمعات المحلية لإظهار السيطرة وفرض النفوذ.
منظمات حقوقية تحدثت أيضًا عن تصاعد عمليات تجنيد الأطفال والمراهقين لتشغيل الطائرات المسيّرة، باعتبارهم أكثر قدرة على التعامل مع التكنولوجيا الحديثة. هذا الأمر يضيف بُعدًا أكثر خطورة للأزمة، لأنه يعني دخول جيل جديد من الأطفال إلى دوامة الحرب المسلحة بوسائل قتالية متطورة وغير مسبوقة في تاريخ الصراع الكولومبي.
أوكرانيا تغيّر شكل الحروب حول العالم
خبراء الأمن يرون أن الحرب في أوكرانيا لعبت دورًا محوريًا في نقل تكنولوجيا وأساليب استخدام الطائرات المسيّرة إلى مناطق نزاع أخرى، ومنها كولومبيا. فالمقاطع المصورة والتكتيكات المتداولة عبر الإنترنت، إضافة إلى مشاركة مقاتلين أجانب في حروب خارجية، ساهمت في نشر المعرفة التقنية الخاصة بتطوير المسيّرات العسكرية منخفضة التكلفة.
كما أن ارتباط الجماعات الكولومبية بشبكات تهريب دولية وعصابات مخدرات في المكسيك ومنطقة البلقان سهّل حصولها على المعدات والتدريب. ووفق تقارير أمنية، فإن بعض الجماعات باتت تمتلك وحدات متخصصة بالكامل في تشغيل المسيّرات، وهو ما يعكس انتقال الحرب من أساليب العصابات التقليدية إلى نمط أكثر تطورًا يعتمد على التكنولوجيا الحديثة.
الحكومة الكولومبية في سباق صعب مع الزمن
الحكومة الكولومبية حاولت مواجهة هذا التهديد عبر إطلاق منظومات مضادة للطائرات المسيّرة وتشكيل وحدات عسكرية متخصصة، إضافة إلى فرض قيود على استيراد بعض أنواع الطائرات بدون طيار. لكن المسؤولين يعترفون بأن مواجهة هذا النوع من التهديدات في بلد واسع ومعقد جغرافيًا مثل كولومبيا يمثل تحديًا هائلًا.
الرئيس Gustavo Petro أقر علنًا بأن “تجار المخدرات باتوا يمتلكون التفوق الجوي”، في اعتراف يعكس حجم الأزمة الأمنية المتصاعدة. كما يحذر خبراء من أن الجماعات المسلحة تتكيف مع التكنولوجيا بوتيرة أسرع من قدرة الدولة على المواجهة، وهو ما قد يجعل السنوات المقبلة أكثر خطورة على المدنيين.
ماذا يعني هذا التحول لمستقبل كولومبيا؟

التحول نحو “حروب الدرون” يعني أن الصراع الكولومبي يدخل مرحلة جديدة يصعب فيها تحديد خطوط المواجهة التقليدية. فالخطر لم يعد يأتي من كمائن الطرق أو الاشتباكات البرية فقط، بل من السماء أيضًا، وبأدوات رخيصة وسهلة التصنيع والتهريب.
السيناريو المتوقع يشير إلى تصاعد أكبر في استخدام المسيّرات خلال الفترة المقبلة، مع احتمالات توسع الهجمات إلى المدن الكبرى والبنية التحتية الحيوية. وإذا لم تتمكن الدولة من تطوير دفاعات فعالة بسرعة، فقد تتحول كولومبيا إلى واحدة من أخطر ساحات “الحروب الجوية منخفضة التكلفة” في العالم.


