صفعة أوروبية لبريطانيا.. السويد تمنح فرنسا صفقة فرقاطات حربية بـ3.7 مليار يورو لمواجهة روسيا
وفقًا لتقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز، أعلنت السويد اختيار شركة Naval Group الفرنسية لبناء أربع فرقاطات حربية متطورة لصالح البحرية السويدية، في صفقة ضخمة تُقدّر بنحو 3.7 مليار يورو، وذلك ضمن خطة أوروبية واسعة لتعزيز القدرات العسكرية في مواجهة التهديدات الروسية المتزايدة. القرار شكّل ضربة قوية للصناعات الدفاعية البريطانية، بعدما خسرت شركة Babcock International المنافسة رغم الدعم السياسي الكبير الذي حظيت به من لندن.
وتأتي الصفقة في وقت تشهد فيه أوروبا سباق تسلح متسارع منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، حيث تسعى دول القارة إلى تحديث قواتها البحرية والجوية بسرعة غير مسبوقة. السويد، التي انضمت رسميًا إلى حلف الناتو عام 2024، تسعى إلى تحويل قواتها البحرية إلى قوة ردع متقدمة قادرة على حماية بحر البلطيق والمشاركة في العمليات العسكرية المشتركة داخل الحلف.

لماذا فضّلت السويد العرض الفرنسي؟
السبب الرئيسي وراء فوز فرنسا بالعقد يعود إلى الجاهزية العسكرية للفرقاطات الفرنسية من طراز FDI، والتي دخلت بالفعل الخدمة لدى فرنسا واليونان، ما منحها ميزة “النظام المجرب” مقارنة بالفرقاطات البريطانية Type 31 التي لا تزال قيد التطوير ولم تدخل الخدمة العملياتية حتى الآن.
كما أكدت وزارة الدفاع السويدية أن سرعة التسليم كانت عاملًا حاسمًا، حيث تعهدت الشركة الفرنسية بتسليم فرقاطة سنويًا بدءًا من عام 2030. بالإضافة إلى ذلك، فإن تشغيل أكثر من دولة أوروبية لنفس النوع من السفن يتيح تقاسم تكاليف التدريب والصيانة والتطوير مستقبلًا، وهو ما اعتبرته ستوكهولم مكسبًا استراتيجيًا مهمًا.
بحر البلطيق يتحول إلى مركز صراع أوروبي

التحركات العسكرية السويدية تعكس حجم القلق الأوروبي من التصعيد الروسي في شمال أوروبا. فمنذ الحرب في أوكرانيا، أصبح بحر البلطيق واحدًا من أخطر المناطق الاستراتيجية في القارة، خاصة مع تزايد التحركات العسكرية الروسية بالقرب من حدود دول الناتو.
الفرقاطات الجديدة لن تقتصر مهامها على حماية المياه الإقليمية السويدية فقط، بل ستكون قادرة على تنفيذ عمليات عسكرية في البحر المتوسط والبحر الأحمر وبحر الشمال ضمن مهام الناتو. كما تتمتع السفن الجديدة بقدرات دفاع جوي متطورة تشمل التصدي للطائرات المقاتلة واعتراض الصواريخ الباليستية، ما يرفع من قوة الردع البحرية الأوروبية بشكل كبير.
خسارة قاسية للصناعات العسكرية البريطانية
الهزيمة البريطانية في هذه الصفقة تمثل انتكاسة مؤلمة لخطط لندن الرامية إلى تعزيز صادراتها الدفاعية بعد “بريكست”. فقد كانت الحكومة البريطانية تراهن على فرقاطات Type 31 باعتبارها مستقبل الصناعة البحرية العسكرية البريطانية، لكن السويد اختارت في النهاية الحل الفرنسي الأسرع والأكثر جاهزية.
ويرى مراقبون أن هذه الخسارة قد تؤثر على فرص الشركات البريطانية في عقود أوروبية أخرى خلال السنوات المقبلة، خاصة مع تصاعد المنافسة الفرنسية داخل سوق السلاح العالمي. فرنسا أصبحت اليوم ثاني أكبر مصدر للأسلحة في العالم بعد الولايات المتحدة، وتسعى بقوة لقيادة مشروع “الاستقلال الدفاعي الأوروبي”.
تحالف دفاعي جديد بين باريس وستوكهولم
الصفقة البحرية تكشف أيضًا عن تقارب استراتيجي متزايد بين فرنسا والسويد في ملفات الدفاع والتسليح. الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وصف الاتفاق بأنه “قرار استراتيجي بالغ الأهمية”، مؤكدًا أن التعاون العسكري بين البلدين يشهد توسعًا سريعًا.
ويأتي ذلك بعد أشهر من توقيع خارطة طريق دفاعية مشتركة تشمل التعاون في أنظمة الدفاع الجوي والصواريخ المضادة للدبابات والطائرات الاستطلاعية. كما أن السويد من بين الدول الأوروبية التي دخلت في مناقشات مع فرنسا بشأن مشروع “الردع النووي الأوروبي” الذي طرحه ماكرون مؤخرًا لتعزيز أمن القارة بعيدًا عن الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة.
ماذا يعني هذا القرار لأوروبا؟
الرسالة الأهم من هذه الصفقة هي أن أوروبا دخلت مرحلة إعادة بناء قوتها العسكرية بشكل شامل، مع تركيز واضح على سرعة التسليح ورفع الجاهزية القتالية. كما تعكس الصفقة صعود فرنسا كقوة مركزية داخل الصناعات الدفاعية الأوروبية، مقابل تراجع النفوذ البريطاني تدريجيًا داخل السوق الأوروبية.
ومن المتوقع أن تشهد السنوات المقبلة صفقات تسليح بحرية ضخمة في دول مثل الدنمارك والنرويج ودول البلطيق، في ظل استمرار التوتر مع روسيا. كما قد يؤدي هذا الاتجاه إلى تشكيل محور دفاعي أوروبي أكثر استقلالًا داخل الناتو، وهو ما قد يغيّر توازنات القوة العسكرية داخل القارة خلال العقد المقبل.



