بريطانيا بُنيت لمناخ لم يعد موجودًا.. تقرير صادم يحذر من 40 درجة مئوية وانهيار أنظمة الحياة بحلول 2050
وفقًا لتقرير نشرته صحيفة الجارديان، أطلق “لجنة تغير المناخ” في بريطانيا تحذيرًا غير مسبوق يفيد بأن المملكة المتحدة أصبحت غير مهيأة للمناخ الجديد الناتج عن الاحتباس الحراري، وأن البنية التحتية الحالية صُممت لعصر مناخي انتهى فعليًا. التقرير يحذر من أن درجات الحرارة في بريطانيا قد تتجاوز 40 درجة مئوية بشكل متكرر بحلول عام 2050، ما قد يؤدي إلى وفاة عشرات الآلاف سنويًا، إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة لإعادة تصميم المنازل والمدارس والمستشفيات وأنظمة العمل بما يتناسب مع واقع مناخي أكثر سخونة وخطورة.
التقرير يضع الحكومة البريطانية أمام خيار حاسم: إما تنفيذ خطة شاملة للتكيف مع التغير المناخي، أو مواجهة تكاليف اقتصادية وصحية قد تصل إلى مئات المليارات سنويًا خلال العقود المقبلة. كما يشير إلى أن الاعتماد على حلول بسيطة مثل فتح النوافذ أو استخدام الظلال الطبيعية لم يعد كافيًا، وأن البلاد بحاجة إلى تحول جذري في طريقة تصميم المدن والمباني وأنظمة الطاقة والصحة العامة.

موجات حر قاتلة تتحول إلى “الوضع الطبيعي الجديد”

يحذر التقرير من أن موجات الحر في بريطانيا لن تكون أحداثًا نادرة كما في الماضي، بل ستصبح جزءًا من المناخ المعتاد خلال العقود القادمة. فبحلول منتصف القرن، قد تتكرر درجات الحرارة التي تتجاوز 40 درجة مئوية في مختلف أنحاء البلاد، مع فترات حر طويلة تؤثر بشكل مباشر على الصحة العامة والإنتاجية وجودة الحياة.
ويشير الخبراء إلى أن موجة الحر عام 2022، التي تجاوزت خلالها درجات الحرارة 40 درجة، تسببت في آلاف الوفيات الزائدة، وهو رقم مرشح للارتفاع بشكل كبير مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة عالميًا. الأخطر من ذلك أن فترات الليل الحارة ستصبح أكثر شيوعًا، ما يزيد من مخاطر الإجهاد الحراري ويؤثر على النوم والصحة النفسية والجسدية للسكان.
دعوات لتعميم التكييف في المستشفيات والمدارس

أحد أبرز توصيات التقرير هو التوسع الكبير في استخدام أنظمة التبريد، بما في ذلك تركيب أجهزة التكييف في جميع المستشفيات ودور الرعاية خلال عشر سنوات، وفي جميع المدارس خلال خمسة وعشرين عامًا.
ويرى التقرير أن الفئات الأكثر هشاشة، مثل كبار السن والمرضى والأطفال، ستكون الأكثر عرضة للمخاطر الصحية الناتجة عن ارتفاع الحرارة. كما يقترح فرض حدود قصوى لدرجات الحرارة في أماكن العمل، سواء في الداخل أو الخارج، لحماية العمال من الإجهاد الحراري.
ورغم ذلك، يشير التقرير إلى أن التكييف ليس حلًا مثاليًا بالكامل، لأنه يستهلك طاقة كبيرة ويساهم في انبعاثات الكربون، لكنه قد يصبح ضرورة لا يمكن تجنبها في ظل السيناريوهات المناخية المتوقعة.
تكلفة اقتصادية هائلة إذا فشلت بريطانيا في التكيف
التقرير لا يقتصر على الجانب الصحي فقط، بل يسلط الضوء على التكلفة الاقتصادية الضخمة لعدم التحرك. إذ تشير التقديرات إلى أن أضرار التغير المناخي تكلف بريطانيا حاليًا حوالي 60 مليار جنيه إسترليني سنويًا، أي ما يعادل نحو 2% من الناتج المحلي الإجمالي.
وإذا استمر الوضع دون تدخل، فقد ترتفع هذه التكلفة إلى أكثر من 260 مليار جنيه سنويًا خلال العقود المقبلة. وتشمل هذه الخسائر تدمير البنية التحتية بسبب الفيضانات، وتراجع الإنتاج الزراعي، وارتفاع أسعار الغذاء، إضافة إلى خسائر اقتصادية مرتبطة بالجفاف وحرائق الغابات واضطرابات سلاسل الإمداد.
ويؤكد التقرير أن الاستثمار في التكيف المناخي الآن، رغم تكلفته، يظل أقل بكثير من تكلفة الفشل في مواجهة الأزمة لاحقًا.
فيضانات وجفاف وحرائق تهدد مستقبل البلاد

يحذر التقرير من أن بريطانيا ستواجه في الوقت نفسه مخاطر متناقضة، تشمل فيضانات أكثر شدة وجفافًا أكثر حدة. فبحلول عام 2050، قد ترتفع معدلات تدفق الأنهار بنسبة تصل إلى 45% في فترات الأمطار، بينما ينخفض توفر المياه في فترات الجفاف بشكل كبير.
كما تشير التقديرات إلى أن عدد المنازل المعرّضة لخطر الفيضانات قد يرتفع بنسبة 40%، مع ارتفاع مستوى سطح البحر بما يصل إلى 45 سنتيمترًا، ما يهدد المناطق الساحلية بشكل خاص.
وفي المقابل، قد تتراجع إمدادات المياه بشكل كبير لدرجة أن العجز اليومي قد يصل إلى مليارات اللترات، ما يضع البلاد أمام احتمال نقص حاد في المياه خلال فصول الصيف، إذا لم يتم بناء خزانات جديدة وتحسين شبكات المياه.
إعادة تصميم الدولة لمواجهة “المناخ الجديد”
التقرير يدعو إلى إعادة هيكلة شاملة لسياسات الدولة، حيث يعتبر أن التغير المناخي يجب أن يُعامل كقضية أمن قومي وليست مجرد قضية بيئية. ويشمل ذلك تطوير أنظمة الصرف والفيضانات، وتوسيع البنية التحتية للمياه، وتحسين كفاءة استخدام الطاقة، وزيادة الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية.
كما يشير إلى ضرورة إعادة التفكير في تصميم المدارس، خاصة فيما يتعلق بالامتحانات خلال موجات الحر، إضافة إلى تحسين جودة السكن بحيث لا تتجاوز درجات الحرارة الداخلية مستويات خطيرة خلال الصيف.
ويرى الخبراء أن بريطانيا تحتاج إلى “ثورة تكيف” شاملة، وليس مجرد تحسينات تدريجية، لأن التغيرات المناخية القادمة ستكون أسرع وأقسى مما كان متوقعًا سابقًا.
ماذا يعني هذا التحذير للعالم؟
ما ورد في التقرير لا يخص بريطانيا وحدها، بل يعكس واقعًا عالميًا متسارعًا حيث لم تعد الدول ذات المناخ المعتدل بمنأى عن آثار الاحتباس الحراري. فالوصول إلى درجات حرارة تتجاوز 40 درجة في دول مثل بريطانيا يغير تمامًا مفهوم “المناخ الآمن” في أوروبا.
السيناريو المتوقع هو أن تتجه دول كثيرة نحو تعميم أنظمة التبريد وإعادة تصميم المدن والبنية التحتية، مع تصاعد الاستثمارات في التكيف المناخي إلى جانب تقليل الانبعاثات. لكن إذا استمر البطء في التحرك، فإن العالم قد يدخل مرحلة تصبح فيها الظواهر المناخية القاسية هي القاعدة وليست الاستثناء.



