زلزال في سوق العقارات البريطاني: خسائر تتجاوز ٨ مليارات جنيه إسترليني مع تداعيات حرب إيران
وفقًا لتقرير نشرته صحيفة «فايننشال تايمز»، تعرضت شركات بناء المنازل في المملكة المتحدة لخسائر سوقية ضخمة تجاوزت ٨ مليارات جنيه إسترليني، مع تراجع حاد في قيم أسهم كبرى الشركات المدرجة في البورصة البريطانية، وذلك منذ اندلاع الحرب المرتبطة بإيران في الشرق الأوسط. ويأتي هذا الانهيار وسط مخاوف متزايدة من ارتفاع أسعار الفائدة، وزيادة تكاليف البناء، وتراجع الطلب على العقارات، في وقت تتزايد فيه رهانات صناديق التحوط على استمرار هبوط القطاع. الأزمة لم تعد مالية فقط، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بتداعيات جيوسياسية تضرب سلاسل الإمداد وأسعار الطاقة، ما يهدد خطط الحكومة البريطانية لبناء ١.٥ مليون منزل بحلول عام ٢٠٢٩.
انهيار جماعي في أسهم كبرى شركات البناء

شهدت أسهم شركات البناء البريطانية الكبرى، بما في ذلك شركات مدرجة في مؤشر فايننشال تايمز ١٠٠ مثل باررات ريدرو، بيركلي غروب، وبيرسيمون، انخفاضات حادة تجاوزت ثلث قيمتها السوقية منذ بدء التصعيد. هذا التراجع الجماعي يعكس حالة ذعر استثماري في القطاع، حيث فقدت الشركات مجتمعة أكثر من ٨ مليارات جنيه إسترليني من قيمتها السوقية. ويؤكد محللون أن هذا الانهيار لم يكن نتيجة عامل واحد، بل تراكم مخاوف تتعلق بارتفاع تكلفة التمويل، وتباطؤ الطلب العقاري، إضافة إلى حالة عدم اليقين الجيوسياسي التي تضرب الأسواق العالمية.
حرب إيران تضرب سلاسل الإمداد والتكاليف
أحد أبرز العوامل التي فاقمت الأزمة هو التأثير غير المباشر للحرب المرتبطة بإيران، خاصة بعد اضطرابات في مضيق هرمز، ما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط ومشتقاته. هذا الارتفاع انعكس مباشرة على تكاليف مواد البناء مثل العزل وأنظمة التدفئة والنقل. ومع زيادة أسعار الطاقة، ارتفع التضخم في بريطانيا، ما أجبر بنك إنجلترا على تأجيل أي تخفيضات محتملة في أسعار الفائدة، وهو ما أدى بدوره إلى زيادة تكلفة الرهون العقارية وتراجع قدرة المشترين على دخول السوق العقاري.
ضغوط سياسية واقتصادية على خطة الإسكان الحكومية
الأزمة الحالية وضعت حكومة المملكة المتحدة أمام تحدٍ كبير يتعلق بوعودها الانتخابية ببناء ١.٥ مليون منزل بحلول عام ٢٠٢٩. ومع تراجع شهية المستثمرين، وتباطؤ عمليات شراء الأراضي، وإصدار تحذيرات أرباح من شركات البناء، أصبحت هذه الأهداف محل شك واسع. محللون في السوق يؤكدون أن استمرار الضغوط الحالية قد يجعل تحقيق هذا الهدف “غير واقعي”، خاصة في ظل ضعف الطلب وارتفاع تكاليف التمويل، ما يهدد واحدة من أهم سياسات الحكومة الاقتصادية والاجتماعية.
شركات تحت الضغط: تراجع حاد ومضاربات قصيرة
شركة فستري، الشريك الحكومي المهم في قطاع الإسكان، كانت الأكثر تضررًا، حيث فقدت أكثر من ٦٠٪ من قيمتها السوقية منذ بدء الأزمة، في ظل ارتفاع عمليات البيع على المكشوف من قبل صناديق التحوط. كما تواجه الشركة ضغوطًا نقدية دفعتها إلى تأجيل مدفوعات وتقليل مشتريات الأراضي. ولم تكن شركات مثل باررات ريدرو وتايلور ويمبي أفضل حالًا، إذ خفضت توقعاتها الاستثمارية واتبعت سياسات أكثر حذرًا في شراء الأراضي وتوسيع المشاريع، وسط تراجع الطلب في السوق العقاري البريطاني.
تحذيرات من أزمة سيولة في القطاع العقاري
يشير خبراء إلى أن قطاع بناء المنازل في بريطانيا يواجه الآن أزمة ثقة حادة، مع زيادة الرهانات السلبية من قبل المستثمرين وصناديق التحوط، حيث ارتفعت مراكز البيع على المكشوف في القطاع إلى مستويات غير مسبوقة في أوروبا. كما أن شركات الطوب ومواد البناء بدأت تشهد ضغوطًا مشابهة، ما يعكس أن الأزمة لم تعد محصورة في شركات التطوير العقاري فقط، بل امتدت إلى سلسلة الإمداد بأكملها. هذه التطورات قد تؤدي إلى تباطؤ واسع في نشاط البناء خلال الأشهر المقبلة.
تحليل: ماذا تعني هذه الأزمة للاقتصاد البريطاني؟
تشير التطورات الحالية إلى أن الاقتصاد البريطاني أصبح أكثر ارتباطًا بالتوترات الجيوسياسية العالمية، حيث يمكن لصراع إقليمي مثل الحرب المرتبطة بإيران أن ينعكس مباشرة على قطاع حيوي مثل الإسكان. استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والفائدة قد يدفع القطاع العقاري إلى مزيد من الانكماش، ما يهدد النمو الاقتصادي ويزيد أزمة السكن تفاقمًا في البلاد. السيناريو الأكثر ترجيحًا هو استمرار الضغط على شركات البناء، مع تباطؤ في تنفيذ المشاريع وتأجيل أهداف الحكومة الإسكانية، بينما يبقى السيناريو الأخطر هو دخول القطاع في موجة تصحيح طويلة الأمد إذا استمرت حالة عدم الاستقرار العالمي.



