وباء خارج السيطرة.. اتهامات صادمة لواشنطن بالتخلي عن إفريقيا وترك إيبولا يتمدد عبر الحدود
وفقًا لتقرير نشرته صحيفة The Guardian، تتصاعد المخاوف الدولية من تحوّل تفشي فيروس إيبولا الجديد في وسط إفريقيا إلى أزمة صحية عالمية، وسط اتهامات حادة للإدارة الأمريكية بالتراجع المتعمد عن دورها التاريخي في مكافحة الأوبئة العابرة للحدود. التقرير كشف أن الولايات المتحدة، التي كانت لعقود اللاعب الأبرز في دعم أنظمة الرصد الصحي والاستجابة السريعة للأوبئة، قلّصت بشكل غير مسبوق تمويلاتها الصحية الدولية، بعد تفكيك أجزاء واسعة من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ووقف برامج أبحاث حيوية مرتبطة بالأمراض المعدية. وفي الوقت الذي تسجل فيه جمهورية الكونغو الديمقراطية مئات الإصابات وعشرات الوفيات بسلالة نادرة من إيبولا لا يتوفر لها لقاح أو علاج فعال، يحذر خبراء الصحة من أن العالم يواجه لحظة خطيرة قد تعيد سيناريوهات الفوضى الصحية التي عاشها خلال جائحة كورونا، خاصة مع امتداد العدوى إلى أوغندا واحتمالات انتقالها إلى جنوب السودان ودول إفريقية أخرى تعاني هشاشة صحية كبيرة.
سلالة نادرة وخطيرة تثير الذعر الصحي العالمي

الأزمة الحالية لا تتعلق بسلالة إيبولا التقليدية المعروفة، بل بمتغير “بونديبوجيو” النادر، وهو أحد أخطر أنواع الفيروس وأكثرها تعقيدًا من حيث العلاج والاحتواء. هذه السلالة ظهرت مرتين فقط خلال العقود الماضية، ولم يتم تطوير لقاح معتمد أو علاج مباشر لها حتى الآن، ما يجعل أي تفشٍ جديد مصدر قلق عالمي بالغ. السلطات الصحية في جمهورية الكونغو الديمقراطية أعلنت تسجيل مئات الحالات المشتبه بها وأكثر من مئة وفاة منذ أبريل الماضي، بينما ظهرت إصابات مؤكدة في أوغندا، مع مخاوف من انتقال العدوى إلى دول مجاورة تعاني ضعف البنية الصحية وغياب أنظمة الرصد الفعالة.
خبراء الفيروسات يؤكدون أن التفشي الحالي ربما بدأ منذ أشهر دون اكتشافه، وهو ما يكشف وجود خلل كبير في منظومات المراقبة الصحية. كما أن انتشار العدوى في مناطق حدودية يزيد من صعوبة الاحتواء، خاصة مع الحركة السكانية الكثيفة وضعف الإمكانات الطبية في المناطق الريفية بإفريقيا الوسطى.
انسحاب أمريكي يثير غضب العلماء والمنظمات الصحية
الانتقادات الموجهة إلى واشنطن جاءت غير مسبوقة في حدتها، حيث اعتبر باحثون ومسؤولون صحيون أن الولايات المتحدة “اختارت ببساطة ألا توقف الوباء”، بعد تقليص التمويل المخصص للصحة العالمية بشكل درامي. الأرقام الواردة في التقرير تكشف تراجع المساعدات الأمريكية للكونغو الديمقراطية من 1.4 مليار دولار عام 2024 إلى 21 مليون دولار فقط خلال 2026، وهو انخفاض وصفه خبراء بأنه “كارثي” على قدرة الدول الإفريقية في مواجهة الأوبئة.
كما انسحبت الولايات المتحدة من تمويلات أساسية مرتبطة بمنظمة World Health Organization، الأمر الذي تسبب في فقدان آلاف الوظائف داخل المنظمة وتقليص قدراتها التشغيلية. ويرى مراقبون أن هذه القرارات لم تؤثر فقط على إفريقيا، بل أضعفت النظام الصحي العالمي بأكمله، خاصة أن مكافحة الأمراض المعدية تعتمد على التعاون الدولي وليس الانعزال السياسي.
انهيار شبكات الرصد الصحي بعد تفكيك USAID
واحدة من أخطر النقاط التي كشفها التقرير تتعلق بتداعيات تفكيك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، التي كانت تمثل العمود الفقري للعمليات الصحية الميدانية في عدة دول إفريقية. مئات العاملين الصحيين الذين كانوا يراقبون احتمالات انتقال الأمراض بين الحيوانات والبشر توقفوا فجأة عن العمل بعد أوامر وقف التمويل، ما أدى إلى انهيار جزئي لشبكات الإنذار المبكر.
الخبراء يشيرون إلى أن الكشف المبكر عن الأوبئة يعتمد بشكل أساسي على وجود فرق صحية ميدانية في القرى والمناطق النائية، وهي الفرق التي كانت ممولة أمريكيًا. ومع غياب هذه الشبكات، أصبحت حالات الحمى والأعراض الأولية تمر دون فحص دقيق، ما يسمح للفيروس بالانتشار بصمت لفترات طويلة قبل اكتشافه. هذه الفجوة الزمنية تعتبر العامل الأخطر في أي وباء سريع الانتشار.
إغلاق مختبرات متخصصة زاد الوضع تعقيدًا
التقرير أشار أيضًا إلى إغلاق مختبر أمريكي متقدم متخصص في أبحاث إيبولا داخل ولاية ماريلاند، كان من المفترض أن يقود جهود تحليل السلالة الجديدة وتطوير علاجات محتملة. هذا المختبر كان يملك خبرة كبيرة في دراسة الأجسام المضادة واللقاحات التجريبية، لكن تم إغلاقه وتسريح موظفيه ضمن موجة تقليصات واسعة في مؤسسات الصحة الأمريكية.
غياب هذه القدرات البحثية خلق فراغًا علميًا خطيرًا، خاصة أن السلالة الحالية لا توجد بشأنها بيانات كافية. ورغم الجهود الكبيرة التي يبذلها العلماء الأفارقة في تتبع التسلسل الجيني للفيروس، إلا أن غياب الدعم الدولي قد يبطئ الوصول إلى حلول علاجية أو استراتيجيات احتواء فعالة، وهو ما يزيد احتمالات تحول الأزمة إلى تهديد عابر للقارات.
حظر السفر لن يوقف الوباء.. والخطر الحقيقي في الداخل الإفريقي
في المقابل، اختارت الإدارة الأمريكية التركيز على فرض قيود سفر على القادمين من المناطق المتضررة، وهي خطوة وصفها خبراء الصحة بأنها “استعراض سياسي” أكثر من كونها حلًا حقيقيًا. مسؤولون في المراكز الإفريقية لمكافحة الأمراض أكدوا أن منع السفر لا يوقف انتقال الفيروسات، بل قد يدفع الدول المتضررة إلى إخفاء البيانات خوفًا من العزلة الاقتصادية والسياسية.
الاستراتيجية الأكثر فاعلية، بحسب الخبراء، تتمثل في دعم عمليات الاحتواء داخل بؤر التفشي نفسها، عبر توفير معدات الحماية والرعاية الصحية والتوعية المجتمعية وتعزيز قدرات التشخيص السريع. لكن مع استمرار تقليص التمويل العالمي، تبدو هذه المهمة أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
ماذا يعني هذا الوباء للعالم؟ وهل نحن أمام أزمة دولية جديدة؟
ما يحدث في وسط إفريقيا يتجاوز كونه أزمة محلية، لأن الأوبئة الحديثة أثبتت أن العالم مترابط بشكل يجعل أي خلل صحي في دولة فقيرة قادرًا على التحول إلى تهديد عالمي خلال أسابيع. إذا استمرت العدوى في التوسع دون تدخل دولي واسع، فقد نشهد موجة اضطرابات صحية واقتصادية جديدة، خصوصًا مع ضعف أنظمة الرعاية في العديد من الدول النامية.
السيناريو الأكثر ترجيحًا حاليًا هو استمرار التفشي لأشهر طويلة، مع احتمالات ظهور بؤر جديدة في دول الجوار. أما السيناريو الأسوأ، فيتمثل في انتقال الفيروس إلى مناطق حضرية مزدحمة أو حدوث طفرات جينية تزيد سرعة انتشاره. ورغم أن خبراء الصحة يؤكدون أن احتواء إيبولا لا يزال ممكنًا، إلا أن نجاح ذلك يعتمد على عودة التمويل الدولي والتحرك السريع قبل خروج الوضع عن السيطرة بالكامل.



