ميليشيات محلية في غزة: رهان إسرائيلي محفوف بالمخاطر

في الوقت الذي تواصل فيه إسرائيل فرض سيطرتها العسكرية على أجزاء محدودة من جنوب قطاع غزة، تبرز ظاهرة جديدة تزيد المشهد تعقيدًا واشتعالًا: مجموعات مسلحة محلية تتحرك في مناطق مدمرة، بعضها يرتدي سترات تكتيكية ويحمل أسلحة حديثة، وتظهر في مقاطع مصورة تحت مراقبة الطائرات الإسرائيلية المسيّرة. هذه المجموعات التي يشكّل بعضها قوى عشائرية أو فصائل منشقة أو عناصر سابقين من الأجهزة الأمنية في غزة، تعكس محاولة إسرائيل إعادة تفعيل نموذج قديم طالما استخدمته في مناطق الصراع: صناعة وكلاء محليين يمكن الاعتماد عليهم مؤقتًا داخل بيئة معادية. ورغم أن هذه السياسة قد تبدو لإسرائيل حلاً سريعًا لملء الفراغ الأمني، فإنها تثير مخاوف عميقة داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية نفسها، التي تتذكر جيدًا تجارب مماثلة في لبنان والعراق وسوريا انتهت بانفلات هذه المجموعات وخروجها عن السيطرة. وبينما تترسخ هذه الظاهرة، يظل السؤال قائمًا حول مستقبل هذه الميليشيات ومصيرها حين تنسحب إسرائيل من القطاع.

منطقة صفراء تُنتج وكلاء محليين جدد
في المنطقة التي باتت تُعرف داخل الأوساط الأمنية الإسرائيلية بـ”المنطقة الصفراء” — وهي مساحة صغيرة يسكنها بضعة آلاف فقط مقارنة بأكثر من مليوني شخص يعيشون تحت حكم حماس في باقي القطاع — بدأت مجموعات مسلحة ذات طابع محلي في الظهور العلني. وتشمل هذه المجموعات قوة يقودها حسام العسل تعمل تحت اسم “قوة الضرب”، إضافة إلى “القوات الشعبية” بقيادة ياسر أبو شباب قرب معبر رفح. وتظهر مقاطع لرجال مسلحين يدخنون سجائر إسرائيلية ويرتدون خوذات وسترات تكتيكية ويحملون أسلحة حديثة، في مشهد يؤكد أن هذه القوى باتت تتحرك بتسهيل أو غضّ طرف من الجيش الإسرائيلي. ويؤكد بعض قادة هذه المجموعات أنهم يحصلون على الغذاء والسلاح والمركبات من جهات إسرائيلية، في نموذج يعيد إلى الأذهان برامج “الوكلاء المحليين” التي استخدمتها إسرائيل في محطات سابقة من تاريخ صراعاتها الإقليمية.
رهانات قديمة… تجارب أنهكت إسرائيل سابقًا
تاريخ إسرائيل السياسي والأمني مزدحم بمحاولات تسليح جماعات محلية داخل بيئات معادية. فخلال العقود الماضية، دعمت إسرائيل فصائل كردية ضد النظام العراقي، وسلّحت جماعات درزية قرب الحدود السورية، ومولت ميليشيات مسيحية في لبنان لعقود قبل انهيار هذه التجربة بعد الحرب الأهلية اللبنانية.

ومع أن هذه السياسات وفّرت لإسرائيل نفوذًا ميدانيًا محدودًا، فإنها تحولت لاحقًا إلى عبء استراتيجي، خصوصًا بعد أن انقلب عدد من تلك الجماعات عليها أو أصبح خارج السيطرة. اليوم، يحذر ضباط سابقون في جهاز الشاباك من أن تكرار التجربة في غزة قد يفتح الباب أمام مخاطر مشابهة. وقال أحدهم: “إذا اعتقدنا أن تسليح فصائل في غزة لن ينقلب علينا لاحقًا، فنحن نخدع أنفسنا.” وتعكس هذه التحذيرات إدراكًا متزايدًا داخل المؤسسة الأمنية بأن ميليشيات اليوم قد تتحول إلى خصوم الغد.
فراغ ما بعد الحرب… بيئة تُنتج جماعات جديدة
مع دخول الحرب عامها الثاني وتراجع حماس إلى شبكة الأنفاق الواسعة التي تسيطر عليها، ظهر فراغ أمني كبير على السطح، استغلته أطراف متعددة. وتشمل هذه الأطراف عصابات جنائية مسلحة كانت تنشط قبل الحرب، ومجموعات إسلامية منافسة لحماس، وهاربين من سجون الحركة، إضافة إلى عائلات نافذة مثل عشيرة دغمش التي قادت جماعات مسلحة محلية خلال السنوات الماضية. ووفق مصادر مطلعة، استغلت وحدة 504 في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية هذا الفراغ لتجنيد عناصر محلية، وهي الوحدة نفسها التي لجأت إلى الأسلوب ذاته خلال اجتياح بيروت عام 1982. ويقول خبراء إن انهيار المنظومة الأمنية في غزة، وغياب سلطة محلية قادرة على فرض الانضباط، وفّر بيئة مثالية لولادة عشرات المجموعات غير المنضبطة، ما يجعل أي محاولة إسرائيلية للسيطرة عبر وكلاء مهمة شديدة العشوائية.
قادة ميليشيات يعلنون تعاونًا مباشرًا مع الجيش
من بين الشخصيات التي برزت في “المنطقة الصفراء” حسام العسل، الذي يقول صراحة إنه يتلقى دعمًا مباشرًا من “منسق” تابع للجيش الإسرائيلي يوفر له الغذاء والسلاح والمركبات ويسمح له بإدخال مئات الأشخاص إلى المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية. ورغم أن تل أبيب لم تؤكد رسميًا دعم هذه المجموعات، فإن وجودها العملي على الأرض أصبح أمرًا واقعًا. ويظهر العديد من مقاتلي هذه الفصائل في نشرات مصوّرة يعلنون فيها تلقيهم معدات عسكرية إسرائيلية أو مساعدات لوجستية، في حين تصفهم بعض الأوساط الإسرائيلية بأنهم “ملء للفراغ” لا أكثر. لكن خبراء يشيرون إلى أن هذه المجموعات، التي يجمع بعضها بين الطابع المحلي والعائلي والجنائي، قد تتحول لاحقًا إلى كيان منفلت يصعب ضبطه، خصوصًا في حال انسحاب الجيش الإسرائيلي من مناطق سيطرته الحالية دون وجود هيكل أمني بديل قادر على استيعابهم.
ردّ حماس العنيف… إعدامات في الساحات
تعرّض الوجود العلني لهذه الميليشيات لضربة قاسية بعد وقف إطلاق النار الأخير، حين خرجت وحدات حماس من الأنفاق وبدأت حملة واسعة ضد من تتهمهم بالتعاون مع إسرائيل. وشملت الحملة إعدامات علنية لعدد من الأشخاص، بينهم عناصر من عشيرة دغمش، ومقاتلون من الميليشيات المنافسة، وتجار سلاح، ووسطاء تهريب، إضافة إلى أفراد اتُّهموا بالتعاون المباشر مع الجيش الإسرائيلي. وأكدت مصادر من داخل حماس صحة مقاطع فيديو تُظهر رجالًا يُجبرون على الركوع قبل إطلاق النار عليهم، في رسالة واضحة لإعادة فرض السيطرة وبثّ الرعب في صفوف أي جماعات تفكر في التعامل مع إسرائيل. وقد أدى هذا المشهد الدموي إلى إعادة خلط الأوراق، إذ اضطرت بعض الميليشيات إلى الاختفاء أو التراجع، بينما تنتظر أخرى مصيرًا مجهولًا في ظل غياب أي ضمانات لحمايتها.
سيناريوهات المستقبل… هل تُترك هذه القوى لمصيرها؟
تتوقع الولايات المتحدة أن الوجود العسكري الإسرائيلي في غزة مؤقت، وأن أمن القطاع سيسلّم في مرحلة لاحقة إلى قوة دولية أو ترتيبات أمنية مشتركة، ما يطرح سؤالًا مصيريًا لإسرائيل: ماذا ستفعل بالميليشيات التي ظهرت تحت إشرافها؟ هل ستسحبها معها كما فعلت مع عناصر جيش لبنان الجنوبي عام 2000، أم ستتخلى عنها في الميدان ليواجه أفرادها انتقام الفصائل الأخرى؟ وتشير تقديرات إلى أن اعتماد إسرائيل على هذه الجماعات قد يؤسس لمشكلة أمنية جديدة قد تنفجر مستقبلًا، خاصة إذا منحتها الحرب الحالية شرعية وسلاحًا ونفوذًا محليًا. ويبدو أن الملف مرشح لأن يصبح إحدى أكثر القضايا حساسية خلال أي ترتيبات مستقبلية في غزة، إذ يحمل معه إرثًا من التجارب الإسرائيلية السابقة التي انتهت بثمن باهظ سياسيًا وأمنيًا.



