في ظل التصعيد العسكري المتواصل ضد إيران، تتزايد داخل واشنطن الأصوات التي ترى أن الضربات الحالية قد تمهّد الطريق لتغيير النظام في طهران. لكن خبراء الاستخبارات يحذرون من أن هذا التصور مبسط وخطير. فالتاريخ، وتجارب التدخل السابقة، تكشف أن إسقاط الأنظمة قد يكون ممكنًا، لكن بناء نظام بديل مستقر وشرعي مسألة أكثر تعقيدًا بكثير.
ووفقًا لتحليل نشرته صحيفة فايننشال تايمز، فإن الولايات المتحدة قد تبالغ في تقدير قدرتها على إعادة تشكيل المشهد السياسي الإيراني.
نجاح عسكري… لكن بلا تحول سياسي
حققت الولايات المتحدة وإسرائيل مكاسب عسكرية واضحة من خلال إضعاف البنية الأمنية والعسكرية الإيرانية، وقتل عدد من القادة البارزين. إلا أن هذه النجاحات لا تعني بالضرورة اقتراب تغيير النظام.
فالنظام الإيراني لا يزال يحتفظ بأدواته الأساسية للسيطرة، خاصة الأجهزة الأمنية والعسكرية، ما يجعله قادرًا على الصمود وإعادة ترتيب صفوفه.

وهم “الحل السريع” عبر الضغط
يرى كاتب التقرير، وهو ضابط سابق في Central Intelligence Agency، أن بعض صناع القرار في واشنطن يقعون في وهم أن الضغط العسكري أو العمليات السرية يمكن أن يؤدي تلقائيًا إلى تغيير سياسي.
لكن الواقع، بحسب خبرته، يؤكد أنه “لا توجد رصاصة سحرية”، وأن الثقافة السياسية لأي دولة لا يمكن إعادة تشكيلها من الخارج أو عبر الضربات الجوية.
بنية النظام أقوى مما تبدو
رغم الضربات، لا تزال مؤسسات مثل الحرس الثوري تلعب دورًا محوريًا في حماية النظام، ليس فقط لأسباب أمنية، بل أيضًا لمصالح اقتصادية مرتبطة ببقائه.
هذا الترابط بين السلطة والاقتصاد يعزز من قدرة النظام على البقاء، حتى في ظل الضغوط العسكرية الكبيرة.
مخاوف إقليمية من “إيران الجريحة”
حلفاء الولايات المتحدة في الخليج، خاصة United Arab Emirates، لا يرون في إضعاف إيران دون إسقاطها سيناريو مريحًا.
فإيران “الجريحة” قد تصبح أكثر عدوانية، مع زيادة التهديدات بالصواريخ والطائرات المسيرة، وتعطيل الملاحة في مضيق هرمز، فضلًا عن احتمالات تنفيذ عمليات انتقامية غير مباشرة.
غياب بديل سياسي جاهز
واحدة من أكبر العقبات أمام أي تغيير للنظام هي غياب معارضة موحدة وقادرة على الحكم. فالمعارضة الإيرانية في الخارج تعاني من انقسامات حادة، ولا تمتلك قاعدة دعم قوية داخل البلاد.
حتى شخصيات مثل Reza Pahlavi، رغم شهرتها، لا تملك نفوذًا حقيقيًا داخل المؤسسات العسكرية أو الأمنية، ما يجعل انتقال السلطة أمرًا معقدًا.
دروس التاريخ: إسقاط الأنظمة لا يعني الاستقرار
يشير التقرير إلى تجارب سابقة، مثل انقلاب عام 1953 في إيران، الذي أطاح برئيس الوزراء محمد مصدق بدعم أمريكي-بريطاني. ورغم نجاح العملية، إلا أنها لم تؤسس لنظام مستقر، بل ساهمت في خلق توترات طويلة الأمد.
الخلاصة أن العمليات السرية قد تُسقط زعيمًا، لكنها نادرًا ما تبني شرعية أو مؤسسات قوية.
الخيار الأكثر واقعية: الصبر الاستراتيجي
يوصي التقرير بأن تتجنب واشنطن الانزلاق نحو حملة مفتوحة لتغيير النظام، وأن تركز بدلًا من ذلك على إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية تدريجيًا، مع تقليل العمليات العسكرية لتفادي تأجيج المشاعر الشعبية.
كما يؤكد على أهمية التنسيق مع الحلفاء الإقليميين، الذين سيتحملون تبعات أي تصعيد طويل الأمد.
إضعاف النظام أسهل من إعادة تشكيله
قد تنجح الولايات المتحدة في إضعاف النظام الإيراني، لكن التاريخ يثبت أن التحكم في ما يأتي بعد ذلك أصعب بكثير. وبينما قد يتغير النظام يومًا ما، فإن هذا التغيير غالبًا ما يكون نتيجة عوامل داخلية، لا ضغوط خارجية فقط.



