منقذ اليمين إلى عبء سياسي ثقيل.. كيف تحوّل ترامب إلى سمّ انتخابي يهدد حلفاءه حول العالم؟
وفقًا لتقرير نشرته صحيفة Financial Times، بدأ الرئيس الأمريكي Donald Trump يفقد بريقه السياسي عالميًا بعد أن كان يُنظر إليه كأيقونة لليمين الشعبوي في الغرب، حيث بات ارتباط السياسيين به يشكل عبئًا انتخابيًا قد يدمر مستقبلهم السياسي بدلًا من دعمه. التقرير، الذي كتبه الخبير السياسي ومستشار استطلاعات الرأي ستانلي جرينبيرج، يكشف كيف تحولت موجة “ترامب الشعبوية” من قوة صاعدة اجتاحت أوروبا وأمريكا إلى عامل نفور سياسي، خاصة بعد الحرب الأمريكية في إيران وعودة أزمات التضخم وارتفاع الأسعار عالميًا.
وخلال السنوات الماضية، نجح ترامب في تصدير نموذج سياسي قائم على القومية المتشددة، ومحاربة الهجرة، ومواجهة ما يُعرف بسياسات “الصحوة الليبرالية”، ما ألهم شخصيات وأحزابًا يمينية عديدة في أوروبا مثل Nigel Farage زعيم حزب Reform UK البريطاني، وGiorgia Meloni رئيسة وزراء إيطاليا، إضافة إلى أحزاب اليمين المتطرف في ألمانيا والمجر. لكن التطورات الأخيرة، خصوصًا التوتر العسكري مع إيران وما تبعه من ضغوط اقتصادية عالمية، قلبت المشهد بالكامل، وجعلت التقارب مع ترامب خطرًا سياسيًا يهدد شعبية حلفائه حتى داخل قواعدهم الانتخابية.

كيف صنع ترامب موجة اليمين الشعبوي عالميًا؟
عودة ترامب إلى البيت الأبيض عام 2024 جاءت في ظل غضب شعبي واسع داخل الولايات المتحدة بسبب التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة وأزمة الهجرة. وقدّم نفسه باعتباره الزعيم “المضاد للنخب” والقادر على إعادة السيطرة على الحدود وخفض الأسعار واستعادة الهوية الأمريكية التقليدية.
هذا الخطاب لم يتوقف عند الداخل الأمريكي، بل امتد سريعًا إلى أوروبا، حيث بدأت أحزاب اليمين الشعبوي تتبنى أسلوبه السياسي وشعاراته الصدامية. أحزاب مثل Alternative for Germany الألماني وReform UK البريطاني رأت في “الترامبية” نموذجًا ناجحًا لجذب الطبقات الغاضبة من الأوضاع الاقتصادية والهجرة وسياسات المناخ. بل إن بعض السياسيين الأوروبيين حاولوا تقليد سياسات ترامب المتعلقة بالهجرة والترحيل واستخدام خطاب قومي حاد ضد المؤسسات الأوروبية التقليدية.
الحرب مع إيران قلبت المعادلة
بحسب التقرير، فإن نقطة التحول الكبرى جاءت مع التصعيد الأمريكي ضد إيران، والذي تسبب في ارتفاع أسعار النفط وتجدد موجة التضخم عالميًا. هذه التطورات أضعفت صورة ترامب كرجل قادر على تحسين الاقتصاد، وحولت سياساته إلى مصدر قلق للناخبين الذين أصبحوا أكثر اهتمامًا بتكاليف المعيشة من القضايا الأيديولوجية.
التأثير لم يقتصر على الولايات المتحدة فقط، بل امتد إلى أوروبا، حيث بدأت شعبية السياسيين المرتبطين بترامب تتراجع بشكل واضح. الناخب الأوروبي، الذي كان متقبلًا للخطاب الشعبوي في ظل أزمات الهجرة، بات يرى أن الارتباط بترامب قد يعني مزيدًا من الفوضى الاقتصادية وعدم الاستقرار العالمي، خاصة مع تصاعد المخاوف من اتساع الصراعات العسكرية وارتفاع الأسعار.

ضربة موجعة لحلفاء ترامب في بريطانيا
أحد أبرز المتضررين من تراجع صورة ترامب كان رئيس الوزراء البريطاني Keir Starmer، الذي حاول بناء علاقة قوية مع الإدارة الأمريكية الجديدة. التقرير يشير إلى أن ستارمر دفع “ثمنًا سياسيًا باهظًا” بسبب محاولته التقارب مع ترامب، خاصة بعد تعيين بيتر ماندلسون سفيرًا لدى واشنطن بهدف تعزيز العلاقات الثنائية.
استطلاعات الرأي أظهرت ارتفاعًا حادًا في نسب الرفض الشعبي لطريقة تعامل ستارمر مع ترامب، حتى وصلت معدلات السخط إلى مستويات غير مسبوقة. كما تعرض نايجل فاراج، أحد أبرز المؤيدين لترامب في أوروبا، لضغوط سياسية متزايدة بعدما بدأ حتى ناخبو حزبه ينظرون إلى الرئيس الأمريكي بصورة سلبية.
التقرير يكشف أن نحو 60% من مؤيدي Reform UK باتوا يحملون نظرة سلبية تجاه ترامب، ما أجبر فاراج على تجنب الحديث عنه خلال حملاته الانتخابية الأخيرة، رغم استمرار حزبه في تصدر المشهد اليميني البريطاني.
لماذا أصبح ترامب “عبئًا سياسيًا”؟

التحول في صورة ترامب يعود إلى تغير أولويات الناخبين. ففي السابق، كانت قضايا الهوية والهجرة تتصدر المشهد، أما الآن فأصبحت الأزمات الاقتصادية وارتفاع الأسعار هي القضية الأولى لدى قطاعات واسعة من المواطنين في الغرب.
ومع عودة التضخم وارتفاع أسعار الطاقة، بدأ كثير من الناخبين يربطون سياسات ترامب بالمزيد من الفوضى الاقتصادية والصدامات الدولية. كما أن أسلوبه الحاد والصدامي الذي كان يُنظر إليه سابقًا باعتباره “قوة”، أصبح الآن مصدر قلق لدى فئات واسعة تخشى من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي.
التقرير يوضح أيضًا أن اليسار والليبراليين نجحوا في تحويل ترامب إلى “خصم تعبوي” يحفّز قواعدهم الانتخابية على المشاركة بقوة، وهو ما جعل دعمه يتحول من ميزة انتخابية إلى عبء قد يكلّف حلفاءه خسائر قاسية.
أوروبا تعيد حساباتها السياسية
التجربة الإيطالية تُعتبر نموذجًا مهمًا في هذا السياق، حيث نجحت حكومة جورجيا ميلوني في الحفاظ على شعبيتها عبر الابتعاد النسبي عن سياسات ترامب، مع الاستمرار في تبني خطاب محافظ بشأن الهجرة والأمن، لكن دون الدخول في مواجهة مع المؤسسات الأوروبية التقليدية.
ويرى محللون أن العديد من أحزاب اليمين الأوروبية قد تبدأ خلال الفترة المقبلة في تخفيف ارتباطها السياسي والإعلامي بترامب، خصوصًا إذا استمرت أزماته الداخلية والخارجية في التأثير على الاقتصاد العالمي.
وفي المقابل، يواجه اليسار الأوروبي تحديًا مختلفًا، يتمثل في ضرورة استعادة ثقة الطبقات العاملة التي انجذبت سابقًا إلى الخطاب الشعبوي بسبب مخاوف الهجرة والضغوط المعيشية، وهو ما قد يعيد تشكيل الخريطة السياسية في أوروبا خلال السنوات القادمة.
ماذا يعني هذا التحول عالميًا؟
ما يحدث حاليًا يكشف أن “الترامبية” لم تعد قوة صاعدة بلا حدود كما كان يُعتقد قبل سنوات. فمع تغير المزاج الشعبي العالمي، أصبح الناخب أكثر حساسية تجاه الاستقرار الاقتصادي وأسعار المعيشة، وأقل اهتمامًا بالشعارات الشعبوية الصدامية.
السيناريو المتوقع هو أن تشهد الساحة الغربية إعادة تموضع سياسي واسعة، حيث ستسعى أحزاب اليمين إلى الحفاظ على خطابها المحافظ دون الارتباط الكامل بترامب، بينما سيحاول اليسار استغلال تراجع صورته لإعادة بناء تحالفاته الشعبية.
لكن رغم ذلك، لا يزال ترامب يمتلك قاعدة جماهيرية قوية داخل الولايات المتحدة وخارجها، ما يعني أن تأثيره على السياسة العالمية لم ينتهِ بعد، بل دخل مرحلة أكثر تعقيدًا قد تعيد رسم التوازنات السياسية في الغرب خلال السنوات المقبلة.



