وفقًا لتقرير نشرته الجارديان، تستعد الصين لاستقبال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في زيارة رسمية إلى بكين هذا الأسبوع، بعد أربعة أيام فقط من انتهاء القمة الحساسة التي جمعت الرئيس الصيني شي جين بينغ بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب. التوقيت اللافت للزيارة أثار اهتمامًا عالميًا واسعًا، خاصة أن بكين باتت تتحرك باعتبارها مركز الثقل الجديد في الدبلوماسية الدولية، في ظل احتدام الصراع بين القوى الكبرى وتصاعد الأزمات العالمية من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط وتايوان.
الزيارة المرتقبة تعكس عمق التحالف الصيني الروسي الذي ازداد قوة منذ اندلاع الحرب الأوكرانية عام 2022، وسط قلق غربي متزايد من تنامي التعاون الاقتصادي والعسكري بين موسكو وبكين. وبينما تحاول واشنطن احتواء النفوذ الصيني، تبدو بكين وكأنها تستثمر الأزمات الدولية لإعادة تشكيل النظام العالمي بطريقة تمنحها نفوذًا أكبر في السياسة والطاقة والتجارة الدولية.
بكين تتحول إلى عاصمة القرار العالمي
الصحافة الصينية وصفت استقبال ترامب ثم بوتين خلال أسبوع واحد بأنه حدث “نادر للغاية” في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، معتبرة أن بكين أصبحت النقطة الأهم في التوازنات الدولية الحالية. فالصين لم تعد مجرد قوة اقتصادية، بل أصبحت لاعبًا سياسيًا ودبلوماسيًا قادرًا على جمع خصمين استراتيجيين مثل الولايات المتحدة وروسيا في توقيت متقارب.
هذا التحرك يمنح شي جين بينغ صورة الزعيم العالمي القادر على إدارة الملفات الكبرى، خصوصًا مع تراجع الثقة الدولية في المؤسسات الغربية التقليدية. كما تسعى الصين لاستغلال هذا الدور لتعزيز نفوذها داخل آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا، عبر تقديم نفسها كقوة استقرار وشريك اقتصادي بعيد عن الهيمنة الأمريكية التقليدية.

التحالف الصيني الروسي يقلق الغرب
العلاقة بين موسكو وبكين أصبحت مصدر قلق استراتيجي متزايد للولايات المتحدة وأوروبا، خاصة بعد أن تحولت الصين إلى أكبر داعم اقتصادي لروسيا منذ بداية الحرب في أوكرانيا. فالصين اشترت كميات ضخمة من النفط والغاز الروسيين، ما وفر لموسكو مئات المليارات من الدولارات التي ساعدتها على مواجهة العقوبات الغربية والاستمرار في الحرب.
التقارير تشير إلى أن الصين اشترت منذ 2022 ما يزيد على 367 مليار دولار من الوقود الأحفوري الروسي، وهو رقم يعكس مدى الترابط الاقتصادي بين البلدين. الغرب يرى أن هذا الدعم ساهم في إطالة أمد الحرب الأوكرانية، بينما تعتبر بكين أن تعاونها مع موسكو يدخل ضمن مصالحها الاستراتيجية وأمنها الطاقوي.
أزمة الشرق الأوسط تدفع الصين نحو روسيا أكثر
التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، خاصة أزمة مضيق هرمز وتعطل شحنات النفط، دفعت الصين إلى البحث عن مصادر طاقة أكثر أمانًا واستقرارًا. وهنا تظهر روسيا كشريك حيوي لبكين، خصوصًا في ظل المخاوف الصينية من تعرض إمدادات الطاقة العالمية لهزات كبيرة خلال الفترة المقبلة.
القيادة الصينية تدرك أن أي صراع واسع في الخليج أو أزمة حول تايوان قد يهدد تدفق النفط إليها، ولذلك تسعى لتعزيز خطوط الطاقة البرية القادمة من روسيا. هذا ما يفسر الاهتمام المتزايد بمشروع خط أنابيب “قوة سيبيريا 2”، الذي قد يمنح الصين قدرة أكبر على تأمين احتياجاتها من الغاز بعيدًا عن الممرات البحرية المهددة.

تايوان.. الملف الأخطر خلف لقاء بوتين وشي
رغم أن الملف الأوكراني حاضر بقوة، فإن كثيرًا من المحللين يرون أن قضية تايوان ستكون العنوان غير المعلن للقمة الصينية الروسية. فبكين تخشى من أي مواجهة مستقبلية مع الولايات المتحدة حول الجزيرة، وتسعى لضمان استمرار تدفق الطاقة والموارد في حال اندلاع أزمة عسكرية كبرى.
خلال لقائه مع ترامب، حذر شي جين بينغ من خطورة التعامل الخاطئ مع ملف تايوان، بينما ألمح ترامب إلى أنه لم يحسم موقفه بعد من صفقة أسلحة أمريكية ضخمة لتايبيه. أي تراجع أمريكي عن الصفقة سيُعتبر انتصارًا استراتيجيًا للصين، التي تعتبر تايوان جزءًا من أراضيها وتتعهد بإعادتها مهما كان الثمن.
ماذا تعني القمة للعالم؟.. ولادة محور جديد في مواجهة واشنطن
التحركات الصينية الأخيرة تعكس بوضوح أن العالم يتجه نحو مرحلة استقطاب دولي جديدة، عنوانها الأساسي الصراع على النفوذ والطاقة والتكنولوجيا. فبكين وموسكو تعملان على بناء شراكة طويلة الأمد قد تتحول إلى محور سياسي واقتصادي وعسكري قادر على مواجهة النفوذ الأمريكي عالميًا.
السيناريو المتوقع بعد القمة قد يشهد توقيع اتفاقيات جديدة في مجالات الطاقة والتجارة والبنية التحتية، إلى جانب تعزيز التنسيق السياسي بين البلدين في الملفات الدولية الساخنة. أما الرسالة الأهم، فهي أن الصين تريد إبلاغ واشنطن بأنها قادرة على اللعب في كل الملفات العالمية، وأن الضغوط الأمريكية لن تمنعها من توسيع تحالفاتها الاستراتيجية.



