أوروبا تُخطط لـ الناتو البديل: سيناريو صادم لحرب محتملة بدون الولايات المتحدة
وفقًا لتقرير نشرته الإيكونوميست، بدأت دول أوروبية داخل حلف شمال الأطلسي NATO في إعداد ما يمكن وصفه بـ”الخطة البديلة” للتعامل مع احتمال انسحاب الولايات المتحدة أو تقليص دورها العسكري داخل الحلف. ويكشف التقرير أن هذا التحول لم يعد مجرد سيناريو نظري، بل أصبح جزءًا من نقاشات عسكرية سرية داخل عدة عواصم أوروبية، خاصة بعد قرارات أمريكية مفاجئة بتقليص القوات في أوروبا وتعليق نشر وحدات عسكرية كانت مخصصة لتعزيز الدفاع ضد روسيا. وتشير المعطيات إلى أن القلق الأوروبي تصاعد بشكل غير مسبوق خلال الأشهر الأخيرة، مع تزايد المخاوف من أن واشنطن قد لا تلتزم مستقبلًا بالمادة الخامسة الخاصة بالدفاع المشترك. هذا التحول المحتمل يفتح الباب أمام إعادة تشكيل كاملة للمنظومة الأمنية الأوروبية التي اعتمدت لعقود على القيادة الأمريكية.
صدمة الانسحاب الأمريكي وإعادة حسابات الأمن الأوروبي

يستعرض التقرير كيف أحدثت قرارات أمريكية مفاجئة بشأن سحب أو إعادة نشر قوات من أوروبا حالة من الارتباك داخل حلف NATO. فقد أدى إلغاء نشر لواء مدرع أمريكي في بولندا، وتقليص وجود القوات في ألمانيا، إلى دفع القادة الأوروبيين لإعادة التفكير في مدى موثوقية المظلة الأمنية الأمريكية. وتزامن ذلك مع تصريحات وسياسات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تشير إلى تقليص الالتزام الدفاعي تجاه أوروبا، وهو ما اعتبره مسؤولون عسكريون “إشارة معاكسة للردع”. هذا التطور جعل العديد من الدول الأوروبية تدرك أنها قد لا تمتلك الوقت الكافي لبناء قدراتها الدفاعية قبل أي مواجهة محتملة مع روسيا، ما يفرض عليها تسريع خطط الاستقلال العسكري.
الخطة “ب”: الدفاع الأوروبي بدون الولايات المتحدة
تكشف وثائق وتحليلات داخلية أن بعض دول الحلف بدأت بالفعل مناقشة سيناريوهات دفاعية تعتمد على أوروبا فقط، دون الاعتماد على القيادة أو البنية التحتية العسكرية الأمريكية. ويشمل ذلك التفكير في كيفية إدارة العمليات العسكرية في حال غياب القيادة الموحدة التي يوفرها القائد الأعلى لقوات الحلف في أوروبا، وهو منصب أمريكي تقليدي داخل NATO. وتشير هذه الخطط إلى أن أوروبا قد تضطر إلى إنشاء هيكل قيادة بديل قادر على تنسيق العمليات بين الدول الأعضاء، في ظل مخاوف من أن غياب واشنطن قد يؤدي إلى تفكك آلية الردع الجماعي. ويصف مسؤولون الوضع بأنه “إعادة اختراع كاملة لطريقة خوض الحرب داخل أوروبا”.
تحالفات بديلة.. من “الشمال والبلطيق” إلى قيادة بريطانية محتملة
من بين السيناريوهات المطروحة، يبرز تشكيل تحالف أوروبي محدود يضم دول البلطيق والدول الإسكندنافية وبولندا، باعتباره النواة الأكثر جاهزية لمواجهة روسيا. كما يجري الحديث عن دور محتمل لتحالف قائم بالفعل هو “قوة الاستطلاع المشتركة” بقيادة بريطانيا، والذي يضم نحو عشر دول شمالية وأوروبية. هذا التكتل قد يشكل أساسًا لهيكل دفاعي بديل داخل أوروبا، خاصة أنه يمتلك قدرات محدودة في القيادة والتنسيق العسكري. ومع ذلك، يواجه هذا النموذج تحديات كبيرة، أبرزها ضعف القدرات العسكرية البريطانية مقارنة بحجم التزاماتها، وغياب قوى كبرى مثل ألمانيا وفرنسا عن الهيكل القيادي، ما يجعل فعاليته محل جدل واسع داخل الأوساط الدفاعية الأوروبية.
أزمة القيادة داخل حلف الناتو واحتمال “تفكك الردع”
يؤكد خبراء عسكريون أن القوة الحقيقية لـ NATO لا تكمن فقط في السلاح، بل في وحدة القيادة التي تضمنها الولايات المتحدة عبر منصب القائد الأعلى للحلف. هذا الهيكل المركزي هو ما جعل الحلف قادرًا على العمل كمنظومة واحدة منسجمة لعقود. لكن في حال غياب هذا الدور الأمريكي، يحذر محللون من “تفكك منظومة الردع”، حيث قد تتحول أوروبا إلى مجموعة جيوش منفصلة بدل قوة واحدة. كما أن أي تأخير في اتخاذ القرار الجماعي داخل الحلف قد يشكل نقطة ضعف خطيرة في مواجهة أي هجوم سريع، خصوصًا من روسيا، ما يجعل مسألة القيادة البديلة أولوية ملحة في النقاشات الأوروبية.
السيناريوهات المحتملة: بين الاستقلال الدفاعي والانقسام الأوروبي
تشير التقديرات إلى ثلاثة سيناريوهات رئيسية: الأول هو نجاح أوروبا في بناء هيكل دفاعي مستقل تدريجيًا يحافظ على تماسك الحلف حتى مع تراجع الدور الأمريكي. الثاني هو ظهور تحالفات إقليمية أصغر داخل أوروبا، مثل تحالف الشمال والبلطيق، ما يؤدي إلى تفكك عملي داخل NATO. أما السيناريو الثالث والأخطر، فهو انهيار منظومة الردع الجماعي بالكامل، ما يفتح الباب أمام سباق تسلح أوروبي وإعادة تشكيل خريطة الأمن في القارة. وفي كل الحالات، يتفق الخبراء على أن أوروبا دخلت مرحلة “ما بعد الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة”، وأن السنوات المقبلة ستحدد شكل النظام الأمني الغربي لعقود قادمة.



