من أزمات البداية إلى سباق القمة: كيف حوّل ميكيل أرتيتا الشكوك إلى مشروع ذهبي في أرسنال؟
وفقًا لتقرير نشرته صحيفة الجارديان ، يكشف مسار مدرب أرسنال ميكيل أرتيتا كيف تحوّل من خيار محفوف بالمخاطر إلى أحد أبرز نماذج إعادة بناء الأندية في كرة القدم الحديثة، بعد سنوات من الشكوك والضغط الجماهيري والانتقادات الحادة التي كادت تُنهي تجربته مبكرًا. التقرير يسلط الضوء على الكواليس المعقدة التي رافقت تعيينه عام 2019، حين كان نادي أرسنال يعيش مرحلة انتقالية صعبة بعد رحيل أرسين فينغر وفشل تجربة أوناي إيمري، وسط انهيار فني وإداري واضح. ورغم البداية المتعثرة والنتائج السلبية التي وضعت مستقبله على المحك، تمسكت إدارة النادي بالمشروع طويل الأمد الذي قدمه أرتيتا، والذي اعتمد على إعادة بناء شاملة للفريق والهوية. ومع مرور السنوات، تحوّل هذا الرهان إلى قصة نجاح تدريجية أعادت أرسنال إلى المنافسة على أعلى المستويات محليًا وأوروبيًا.
قرار جريء في ليلة ديسمبر: بداية مشروع أرتيتا

يعود التقرير إلى لحظة مفصلية في ديسمبر 2019، عندما كان مسؤولو أرسنال يضعون اللمسات الأخيرة على قرار تعيين أرتيتا مدربًا للفريق الأول، رغم أنه كان يفتقر إلى الخبرة كمدير فني مستقل. آنذاك، كان الخيار يبدو مغامرة حقيقية، خاصة مع وجود أسماء أكثر خبرة في السوق، لكن شخصية أرتيتا وخططه التفصيلية لإعادة بناء الفريق خلال خمس سنوات حسمت الاتجاه داخل الإدارة. ورغم بعض الإحراجات الإدارية وتسريب صور من لقاءاته التمهيدية، تم الإعلان رسميًا عن تعيينه بعد مفاوضات دقيقة. البداية كانت مليئة بالشكوك، لكن الإدارة كانت ترى فيه مشروعًا طويل المدى أكثر من كونه حلًا سريعًا.
بداية صعبة وضغوط جماهيرية تهدد المشروع

لم تكن انطلاقة أرتيتا سهلة على الإطلاق، إذ واجه الفريق نتائج متذبذبة وضغوطًا جماهيرية كبيرة، خصوصًا خلال موسم 2020-2021 الذي شهد سلسلة هزائم مؤلمة واحتلال مراكز متأخرة في الدوري الإنجليزي. بعض المباريات، مثل الخسارة أمام إيفرتون ومانشستر سيتي، جعلت مستقبل المدرب يبدو على المحك من الخارج. لكن داخل النادي، كان الموقف مختلفًا؛ الإدارة رفضت الانجرار وراء ردود الفعل السريعة وواصلت دعم المشروع. هذا الثبات كان عنصرًا حاسمًا في استمرار أرتيتا، رغم الانتقادات التي وصفت الفريق بأنه يفتقد الهوية والاتزان في تلك المرحلة.
قرارات حاسمة تعيد تشكيل هوية الفريق

قرارات حاسمة تعيد تشكيل هوية الفريق
أحد أبرز التحولات في عهد أرتيتا تمثل في قراراته الصارمة تجاه بعض النجوم، وعلى رأسهم مسعود أوزيل ثم بيير إيميريك أوباميانغ، في خطوة اعتبرها كثيرون جريئة ومكلفة فنيًا واقتصاديًا. هذه القرارات لم تكن مجرد تغييرات فنية، بل إعلان واضح عن فرض الانضباط الكامل داخل غرفة الملابس. ورغم الجدل، اعتبرها مقربون من النادي لحظة فاصلة أثبتت أن المدرب يملك سلطة حقيقية داخل الفريق. هذا النهج الصارم ساعد لاحقًا في بناء ثقافة جديدة تعتمد على الالتزام والانضباط أكثر من الاعتماد على الأسماء الفردية.
دعم إداري وتمويل ضخم غيّر قواعد اللعبة

يشير التقرير إلى أن نجاح أرتيتا لم يكن قائمًا فقط على أفكاره الفنية، بل أيضًا على دعم إداري ومالي غير مسبوق من مالكي النادي، عائلة كرونكي. هذا الدعم ظهر بوضوح في سوق الانتقالات، خاصة في صيف 2023 عندما أنفق النادي قرابة 200 مليون جنيه إسترليني لتعزيز الفريق بصفقات مثل ديكلان رايس وكاي هافرتز ويورين تيمبر وديفيد رايا. هذا الاستثمار الكبير لم يكن مجرد إنفاق، بل رسالة واضحة بأن أرسنال مستعد للمنافسة على أعلى مستوى أمام أندية مدعومة ماليًا بشكل ضخم. كما لعبت شخصية أرتيتا دورًا مهمًا في إقناع اللاعبين بالانضمام للمشروع.
من فريق متعثر إلى منافس على اللقب

بمرور الوقت، بدأ مشروع أرتيتا يعطي ثماره، حيث تحسن الأداء الجماعي وظهرت هوية تكتيكية واضحة للفريق تعتمد على الضغط العالي والسيطرة على الكرة. لاعبين مثل بوكايو ساكا وويليام ساليبا وجابرييل ماغالهايس أصبحوا أعمدة أساسية في الفريق، ما عزز الاستقرار الفني. ورغم بعض الإخفاقات في المواسم الأخيرة، إلا أن أرسنال عاد ليكون منافسًا حقيقيًا على لقب الدوري الإنجليزي، وهو تحول كبير مقارنة بالبداية المتعثرة. هذا الصعود التدريجي يعكس نجاح فلسفة “البناء طويل الأمد” التي تبناها النادي منذ تعيين أرتيتا.
زاوية تحليلية: ماذا يعني نجاح مشروع أرتيتا؟
قصة أرتيتا تعكس تحولًا مهمًا في كرة القدم الحديثة، حيث لم يعد النجاح مرتبطًا بالنتائج السريعة فقط، بل بقدرة الأندية على الصبر على المشاريع طويلة الأمد. أرسنال نموذج واضح على أن الاستقرار الإداري والدعم المالي المدروس يمكن أن يعيد بناء نادٍ كبير من مرحلة الانهيار إلى المنافسة. على مستوى الدوري الإنجليزي، يعيد هذا النموذج رسم خريطة المنافسة أمام الهيمنة المالية لأندية مثل مانشستر سيتي.
أما السيناريو المتوقع، فيشير إلى أن أرسنال في ظل أرتيتا سيبقى منافسًا دائمًا على البطولات الكبرى، لكن التحدي الحقيقي سيكون تحويل هذا الاستقرار إلى ألقاب فعلية، خصوصًا في ظل المنافسة الشرسة محليًا وأوروبيًا. نجاح المشروع بالكامل سيعتمد على الاستمرارية، وتطوير الفريق دون فقدان الهوية التي تم بناؤها خلال السنوات الماضية.



