علاقة ذرائعية من طرف واحد :تاريخ التطبيع بين سورية و الكيان الإسرائيلي منذ قيام الدولة حتى التحرير .

في البدء كان الاحتكاك البعيد ، و السيطرة البعيدة :اليد الخفية الطولى منذ تولى حافظ الأسد .
منذ أن أحكم حافظ الأسد سيطرته على الحكم في سورية إلا أن قسم البلاد لتبعيات مختلفة ، غربية أمريكية ، مدمجًا الإسرائيلية فيها بصورة موازية للغربية فباتت كاليد الخفية التي لها تأثير داخليًا على أقرب ملفات السياسة السورية ، و على رأسها المعتقلين و المنفيين أمنيًا و المطاردين لتحويله سورية باختصار لمزرعة نفوذ كما عمل على وجودها باعتبارها فزاعة داخلية أيضًا، لسببين رئيسين أولهما إبقاء الوضع السوري سياسيًا و اجتماعيًا بشكل عملي و مهدم لعدة أسس ستبني عليها عدد من الركائز بين البلدين .
فأقيمت تلك العلاقات على لبنة الضمان المتبادل للأمان و الاستقرار النسبي في الحقيقة ، لكن حافظ الأسد أبى أن يخرج خالي الوفاق و فارغ اليد فأراد استيراد الجولان مقابل بقائها السكوني بلا سلاح حقيقي أو قوة عسكرية معتبرة ، فأبدى إسحاق رابين رئيس الوزراء مرونة واسعة و ترحيبًا مفتوحًا مبنيًا على تقسيم استراتيجي و عسكري على غرار كامب ديفيد حين قسمت سيناء لثلاثة أقسام أ ، ب،ج فوافق حافظ الأسد على الاتفاق الأمني المذل غير أنه رفض الفكرة سريعًا بعد حدثين مزلزلين لكيان دولة الرعب الجسيم و المزرعة الأليفة التي أنشاها المتمثلة في قيام المقاومة المسلحة ضده على يد كلا من الشيخين مروان حديد و محمد مغنية و اغتيال إسحاق رابين ليدخل بعدها الأسد في التبعية البراغماتية للاحتلال الإسرائيلي ، و هذا عبر الإبقاء على الوضع الراهن .
مع اشتعال الحرب الأهلية اللبنانية ، توجه الأسد للتدخل في لبنان لتقوية النفوذ السوري خارجيًا عبر جامعة الدول العربية ، مرسلة قوات قوامها 120 ألف جندي تحت اسم براق” قوات الدعم العربي ” ، و لم يؤخر الجيش المرتزق آنذاك للتثبيت و العربدة الحقيقة و المفتوحة من اعتقال إداري و تصفية خارج إطار القانون بشكل متوسع و شامل الأبعاد في الاقتصاد العسكري و السياسة بتوغل معمق ، حتى لحظة خروجه الظاهري في نهاية الحرب الأهلية ، و تشكيل رؤية خاصة و مستحدثة تكمن في خلق التربة الخصبة لحماية الجولان عبر الحدود السورية و المشتركة مع لبنان في الأساس ، و هذا يدل على مدى الالتزام الجاد للحفاظ على المعادلة الثابتة و الشعار القائم في الجمهورية السورية ، مجسدًا التحقيق الواعي و الإمساك الحديدية للسلطة بعد الصراع المحموم الذي انتقل من الخارج للداخل العسكري ، فقضى على أي شكل من المعارضة الصلبة ، محولًا إياه لجيش أقلوي حتى النخاع ، و هو ما بنى مناخ ” سهل الاستقرار ” كما عبر عنه نيكولاس فان دام الدبلوماسي الهولندي لغاية وفاته الجميلة في العام 2000.
مع تجهيز ابنه للحكم بعد موت باسل الأسد في ظروف غامضة ، احتفظ الابن كذلك بالخطوط العريضة لإبقاء حالة اللاسلم و اللاحرب للحفاظ على القبضة الحديدية و التوازن النسبي بين ثبات الوضع أمنيًا و عسكريًا ، مستخدمًا المنطق البلهواني الأشهر ” الاحتفاظ بحق الرد” و هو ما عبر عنه الصحفي الاستقصائي الشهير باتريك سيل في كتابه “الأسد الصراع في الشرق الأوسط” ” العلاقة السلبية ” لإن الكيان الإسرائيلي مدحوه تكرارًا و مرارًا تحت ذريعة الحفاظ على الأقليات السورية و كذلك ما يسميه ستفين لاكروا ” الجماعات السياسية الوسطية ” التي تزن المجتمع السياسي بالمجتمع الشعبي مع تغيير الوضع السوري بجذرية مع اندلاع الثورة السورية بقطعية جعلت حزب الله و الكيان الإسرائيلي يلعبون السياسة مع أطراف أخرى .
العلاقة المحتومة بأثر رجعي : السيطرة الصامتة على سورية و المساعدة العظيمة في الحرب ضد السوريين .
بشكل متصاعد و متنامي ، شمت إسرائيل أنفاسها بعد اندلاع الثورة السورية في عدة جوانب عبر افتعال العديد من الأزمات المرمية بحدوث تصدع في المؤسسات الدينية و السياسية بحيث تظهر بمظهر المنقذ لبشار ضد الثوار ، فالمؤسسات السياسية في سورية على منوال الجيش في مبتدأ الطريق فانفصلت عنه إما في المؤسسات الموازية في إدلب أو في الاستغلال الأمثل و الاستخدام المسيس لهذا الصراع تحت طوعه و ضمان الولاء المطلق .
ففي كتاب الدين و الدولة في سورية ، يعرج الكاتب و الباحث البلجيكي المشهور توماس بيريه على نقاط الخلاف الأساسية في الصراع المؤسساتي ، لتتدخل الدولة الإبادية و تنفذ مئة غارة في العام على أقل تقدير في ظل تركيزه على الإبادة السورية على يد نظام بشار الأسد فكانت اللاعب الأساسي الذي يقسم الساحة السورية مع الأسد لحين تفريعها لقوات أخرى في دخول سورية مثل الأمريكان و الأتراك ، مسلطين الضوء على الاستغلال المقيت للأزمة الأعقد في العالم آنذاك و ذكر الباحث الإسرائيلي الرصين آرون زيلين في مقال له على موقع مركز الأمن القومي الإسرائيلي يؤكد لعب خبيث على عدة أوجه ” خارجيًا ” لدعمه عبر ضغط اللوبيات الصهيونية لاستمرار الحرب الطاحنة .
فمع مرور الوقت ، رفضت الولايات المتحدة سلسلة طويلة من العقوبات الواقعية التي من شأنها أن تردي النظام في الورى ، فتسقطه على الفور لكنها لم تشأ فعل ذلك على الإطلاق لإنه نظام استراتيجي قوى يبقى حدودهم الجنوبية أمنة و مستقرة ، و خاصة مع بدء الحروب الإسرائيلية البربرية مع غزة أو التدخل المباشر مع الولايات المتحدة في عمليات متوحدة ، من شأنها الحفاظ على مكتسبات غنية و غنائم مجدية في الشمال الشرقي و الجنوب و ناحية الجولان المحتل ، فأبطلت الولايات المتحدة سياساتها الأخلاقية و الحقوقية من أجل الحفاظ على الكيان مطمئنًا و وقود سورية و نفاطها تحت يديها .
و مع هذا ، ظن الباحثون المختصون في الشأن السوري أن تلك الحركة مجرد إعادة تأكيد على الموقف الثابت و السياسية الراسخة المبنية في الأساس على الحفاظ على أرضية مشتركة في سورية ، لكنها غيرت رؤيتها لتركيا خاصة بعد تولية ترامب للفترة الأولى ، متبعًا سياسة الريبة الدائمة من الأتراك على أرض سورية ، جاعلًا الباحث الفخري في المركز الاطلنطي تشارلز ليستر آنذاك يصفه “بالتلاعب التحايلي ” فاتحًا للاحتلال الإسرائيلي خيارات مفتوحة وواسعة بشكل منسجم تمامًا مع أهداف إسرائيل في سورية فيما عدا القضاء على تنظيم القاعدة أو فيما تعرف باسم جبهة النصرة.
فلذلك ، يعد سقوط نظام الأسد، هزم الكيان الإسرائيلي بقوة و منعة ، فاقدًا معقلًا استراتيجيًا و عرينًا هامًا للغاية جغرافيًا و أمنيًا ، فوجدت معادلة محسوبة لترسم خطوط السياسة العريضة و الرابحة من وجهة نظر تلك الدولة ، فمن المنطقي أن تخسرها وفقًا للدبلوماسي الإسرائيلي آرون ديفيد ميلر في مقال طويل على مجلة السياسية الخارجية بأن الجهاديين خطر حقيقي على الكيان المزعوم ، فتلك لحظة ثورية فارقة حقة ستعيد قراءة المشهد السوري و الإسرائيلي معه قبيل التكوين الثاني لخريطة اللاعبين في سورية عقب انتهاء نصف قرن من التطبيع الناعم و السيطرة الصامتة و القتل المزدوج للشعب السوري لنطرح سؤال جوهري مفاده ماذا قدم الأسد للكيان في الداخل السوري المحتل ، و حتى على الضفة الغربية .
القفل الموصد: إسرائيل بين خسارة استراتيجية أو استقرار نسبي مزعوم .
الحقيقة العارية في الحقبة الأسدية أنها كانت حقبة تبادل مصالح أو بمعنى أدق حفاظ و تثبيت قام بالأساس على ركائز هامشية لا تمت للسياسة بصلة لكنها تمد للواقع السوري الاستبدادي بكامل الصلة و تطابق الأساس الجيوشي التي تأسس عليه الكيان ألا و هو الطغيان و صناعة الأقليات المستمرة و حكم الأقليات المرعبة الذي قال عنه محمود ممداني المفكر واضع نظرية ” الأقليات الحاكمة ” التي تفرغ بطبيعة الحال بتفكيك و تحلل الدولة بشكل دائم و مستمر حتى الفناء النهائي .
في الوقت التي نشأ فيه الكيان على جثث الفلسطنينين ، نشأ النظام الأسدي كذلك على جثث و دماء الشعب السوري في أكثر من حادث لدرجة تأليف الباحث الفرنسي من أصل سوري ميشيل سورا كتاب تحت عنوان ” سورية الدولة المتوحشة ” ليكشف أن الممارسات الوحشية في بدايات حكم الأسد الأب ما هي غير انعكاس بنيوي حقيقي و تجذر مدهش يتعمق بالفعل لدرجة الصراع المستمر من الأجهزة نفسها ، متوجهًا بالفعل بقداميه نحو الهاوية السحيقة التي لا رجعة بعدها ، و هو ما صعقت له الدولة المصطنعة بصدمة صداعية فضلًا عن عدم الرغبة الحتمية بوجود ديمقراطية على منوال أوربا.
فبمنتهى البساطة ، وجود حكم سليم قائم على فكرة الأغلبية المؤيدة بشكل شبه مطلق ، لهو بالنسبة للكيان أزمة مسببة بتبعات كارثية و ارتدادات زلازلية على المنطقة بأسرها ، لإن المنطق الصهيوني مع سورية يبني بالأساس على فكرة ” استخدم الحاكم إما ليفرق أو يمزق” مثلما أكد الكاتب الصهيوني “يوشع هارئيل ” في كتاب علاقة إسرائيل مع سورية عبر نصف قرن ، و لعل هذا ما أشار له الوزير السوري فاروق الشرع في مذاكرته عن توليه حقيبة وزارة الخارجية في آخر أيام حافظ الأسد.
فتختصر المعادلة الإسرائيلية للتعامل مع سورية رغبة طموحة في جعلها سلطة فلسطينية ثانية مدجنة مقسمة لا صوت و لا تأثير ملموس لها ، و لهذا ستحث الولايات المتحدة ،كما هي في ذيلها دائمًا ، على تعقيد الموقف السوري بحيث يصبح أكثر تركيبًا من الموقف الأفغاني ، و هذا أيضًا له مردوده الداخلي الفعال مدوي و فادح ، بعكس ما يروج لدى دروز الضفة الغربية المتصهين حيث أشار الكاتب و الباحث السوري أحمد دعدوش لاختلاف المدى بين عروبة و انتماء كل طائفة درزية داخل الأراضي المحتلة و لبنان كذلك ، فمن الخطير بالنسبة للكيان انفصال أقلية عن المسار المحدد لها بدقة و إحكام و تحديدًا ذات التاريخ المديد و الجذور المشتركة معه .
لم يكن حكم الأسد مجرد تطبيع صامت لمجرد الاستقرار أو الذريعة التخويفية أو سيطرة صامتة بل تخطى لعلاقة ذرائعية من طرف واحد تستفاد فيها العربدة الإسرائيلية و قوتها الناعمة ” الدبلوماسية و الإعلامية و الضغط من اللوبيات ” أو الصلبة مثل العسكرية و الأمنية ،قافزة لما هو أبعد ما ذلك فقد فقدت عينها و قلبها السوري الذي حول البلاد لمزرعة و سجن مفتوح بلا سقف ، فهي تريد فرض قرارها النهائي و يدها فقط هي من تقنن الوضع و الخطوط الحمراء من دون حتى أن يكون لها حد رادع أو مقاومة مشابهة حتى للمستوى الشعبي في أوربا حصرًا أو كما يقول راجان مينون ” الخنوع الخضوعي ” ، إلا أنها تنتاسى أن العربدة و البلطجة المفتوحة من كتبت آخر سطور عائلة الأسد بعد قرابة نصف قرن من الزمان دون أن ينظر للحمم المغلية بأسفل كرسيه الذي فجرته تمامًا



