الجيش الأمريكي يخطط لنشر مليون طائرة دون طيار خلال سنتين إلى ثلاث سنوات

أعلنت قيادة الجيش الأمريكي عن طموحٍ استراتيجي لرفع قدرة القوات على استعمال الطائرات دون الطيار من خلال برنامجٍ يُسمّى «سكايفاوندري» (SkyFoundry)، مع هدفٍ طموح بنشر ما لا يقل عن مليون درون خلال اثنين إلى ثلاثة أعوام قادمين، وفق ما أوردت Defense News. التصريحات التي أوردها مسؤول في الجيش لإحدى الصحف المتخصصة وإيضاحات أدلى بها وزير الجيش دان دريسكول خلال زيارة إلى ترسانة بيكاتيني نقلتها وكالة رويترز، تُظهر تحولاً واضحاً في استراتيجية الاعتماد على الشراكات العامة‑الخاصة لتوسيع خطوط الإنتاج المحلية وتقليل الاعتماد على سلاسل توريد أجنبية. يأتي هذا المسعى في ظل تجارب ساحات معاصرة أكدت أن الطائرات المسيرة أصبحت عنصراً حاسماً في العمليات الحربية، ما دفع مشرّعين مثل النائب بات هاريغان إلى دفع تشريعات تدعم تصنيع واسع النطاق داخل الولايات المتحدة. خطوة كهذه تحمل أبعاداً تكتيكية وصناعية وسياسية تحتاج إلى قراءة متأنية لتداعياتها الإقليمية والدولية.
تسريع الإنتاج والشراكات الصناعية
يؤسس برنامج «سكايفاوندري» لفكرة أن التحالف بين الجيش والصناعة الخاصة يمكن أن يُحدث قفزات نوعية في الإنتاج والابتكار. الهدف المعلن — تصنيع وإمداد الجيش بما يمكن اعتباره أسطولاً ضخماً من الطائرات دون الطيار — يتطلب شراكات مع شركات تصنيع وموردين لموادٍ حسّاسة مثل العناصر النادرة، بالإضافة إلى بناء خطوط إنتاج داخلية قادرة على الإنتاج بكميات كبيرة وبوتيرة سريعة. إظهار الجيش أنه لا يسعى لمنافسة القطاع الخاص بل لتمكينه يفتح الباب أمام نموذجٍ صناعي يوازن بين دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة والمصانع الكبرى، مع التركيز على تقليل تعرض سلاسل التوريد للاعتماد على مصادر خارجية، لا سيما الصين كما ذُكر. هذا التوجه لن يؤثر على القدرات التكتيكية فحسب، بل سيعيد تشكيل سوق العمل الهندسي والتصنيعي المرتبط بمنظومات الدرون داخل الاقتصاد الأمريكي والعالمي.
تنويع الاستخدامات والتكلفة مقابل الاستهلاك
أكد المتحدثون أن الحزمة المزمع إنتاجها ستضم نوعيات متباينة من الطائرات: بعضها «قابل للاستهلاك» يقارب وظيفة الذخائر، وبعضها الآخر متين وقابل لإعادة الاستخدام لكنه ليس مصمماً ليكون دائماً. هذا التمييز يعكس فهماً عملياً لتداخل المهام بين استطلاع ومراقبة وضربات سريعة قرب الخطوط الأمامية. اعتماد نموذجٍ يشمل درونات رخيصة قابلة للتضحية يطرح أسئلة لوجستية حول التوريد المستدام والتدريب وسبل التصدي للتهديدات المضادة ــ بما في ذلك تقنيات مكافحة الدرون والدفاع الإلكتروني. التكاليف الإجمالية للمشروع لا تقتصر على سعر الوحدات فحسب، بل تمتد إلى البنية التحتية للصيانة والتخزين والبرمجيات ونظم الاتصالات والأمن السيبراني، وهي بنود يجب تقديرها في ميزانيات الدفاع الوطنية والإقليمية.
انعكاسات جيوسياسية وأمنية دولية
نشر قدرةٍ صناعية كهذه داخل الولايات المتحدة يحمل رسائل جيوسياسية واضحة: تقليل الاعتماد على سلاسل التوريد الأجنبية، وإظهار قدرة صناعية ــ عسكرية يمكن أن تؤثر في موازنات القوى الإقليمية. بالنسبة للدول الأخرى، سيحتم هذا التطور إعادة تقييم استراتيجياتها في مجالات الردع والمراقبة وتطوير نظم مضادة للدرون. كما أن تصاعد انتشار الطائرات المسيرة على نحو واسع يثير نقاشات حول قواعد الاشتباك والشرعية الدولية وحماية المدنيين في النزاعات، باعتبار أن الاستخدام الواسع قد يزيد مخاطر الخطأ والاصطدامات أو الانتهاكات غير المقصودة. بالتالي، يتحول موضوع تصنيع مليون درون إلى مسألة سياسية ودبلوماسية بقدر ما هو مسألة صناعية وعسكرية.
قدرات وإجراءات داخلية ضرورية
لتحقيق هدفٍ بهذا الحجم، يحتاج الجيش إلى إجراءات داخلية فعّالة: تطوير برامج تدريب مكثفة للقوات على تشغيل وإدارة أساطيل الدرون، بناء منظومات لوجستية لصيانة الوحدات، وتعزيز قدرات الاستخبارات والقيادة للتحكم في الحشود الرقمية والفضاءات الجوية. كما يتطلب الأمر تشريعات تنظيمية واضحة لحماية الملكية الفكرية، وضمان سلامة شبكات التحكم والاتصالات، ووضع آليات رقابية مدنية‑عسكرية لمنع إساءة الاستخدام. نجاح هذا البرنامج سيقاس ليس بعدد الوحدات المنتجة فحسب، بل بمدى تكاملها مع العمليات الميدانية والالتزام بمعايير الأخلاق الدولية والقانون الإنساني.
تداعيات استراتيجية وتقنية على الصعيد الدولي
يبقى إعلان النية هذا مؤشرًا على تحولٍ تقني واستراتيجي جوهري في مفهوم الحرب الحديث؛ فجعل الدرون سلاحاً ومنظومة لوجستية صناعية واسعة النطاق سيغيّر ديناميكيات التكتيك والاقتصاد والسياسة. السؤال المركزي الآن ليس فقط عن إمكانية إنتاج مليون وحدة، بل عن كيفية إدارة تبعات هذا التغيير على المستوى التشغيلي والإنساني والدولي، وما إذا كانت الآليات الرقابية والدبلوماسية ستواكب وتضبط إيقاع انتشار تكنولوجيا يمكنها، بقدر ما تعزز الأمن، أن تُعيد تشكيل قواعد الصراع.



