الولايات المتحدة تكثف الضغط العسكري على فنزويلا في الكاريبي
تشهد منطقة الكاريبي توتراً عسكرياً غير مسبوق منذ غزو بنما عام 1989، مع حشد الولايات المتحدة قوة بحرية وجوية ضخمة قرب السواحل الفنزويلية. تتهم إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الرئيس نيكولاس مادورو بقيادة شبكة تهريب مخدرات تعرف باسم “Cartel de los Soles”، وقد أعلنت مكافأة قدرها 50 مليون دولار مقابل معلومات قد تطيح به. بينما يظل الغموض يحيط بنوايا البيت الأبيض بين تدخل عسكري مباشر أو التوصل إلى صفقة خروج آمن لمادورو، تتواصل الخطوات التصعيدية، بما في ذلك تحذيرات هيئة الطيران الفيدرالية من نشاط عسكري متزايد، ما دفع شركات طيران دولية لتعليق رحلاتها من وإلى فنزويلا. من جهتها، وصفت القوات المسلحة الفنزويلية هذه الاتهامات بأنها “أكاذيب تهدف لتبرير تدخل غير شرعي”، ما يعكس التصعيد المستمر ويضع الملايين من المدنيين في خطر محتمل، ويجعل المنطقة على شفا مواجهة يمكن أن يكون لها آثار إنسانية وسياسية عميقة.
ضربات جوية مميتة: حرب المخدرات أم انتهاكات للقانون؟
نفذت الولايات المتحدة منذ سبتمبر ضربات جوية تحت شعار “الحرب على المخدرات”، استهدفت 22 قارباً في الكاريبي والمحيط الهادئ، ما أدى إلى مقتل 83 شخصاً، وسط انتقادات من الأمم المتحدة التي وصفت هذه العمليات بأنها إعدامات خارج نطاق القانون. الناجون الوحيدون — اثنان فقط — أعيدوا إلى بلدانهم دون توجيه أي تهم بسبب غياب الأدلة. ورغم ادعاءات واشنطن بأن القوارب كانت محملة بالمخدرات، تشير تقارير وكالة مكافحة المخدرات الأمريكية لعام 2020 إلى أن معظم الكوكايين يمر عبر المحيط الهادئ وليس عبر الكاريبي، حيث يشكل 8٪ فقط من إجمالي الإمدادات. ويُعد ادعاء ترامب حول وجود مادة الفنتانيل على متن القوارب غير منطقي، إذ أن هذا المخدر يُنتج غالباً في المكسيك باستخدام مواد صينية، ما يضع مصداقية هذه التبريرات العسكرية تحت التساؤل.
الحشد العسكري الأمريكي: أكبر انتشار منذ عقود
يمثل الحشد العسكري الأمريكي الحالي في الكاريبي الأكبر منذ عقود، مع تعزيزات كبيرة بدأت منذ أغسطس الماضي. وصلت مجموعة Iwo Jima الهجومية البرمائية أولاً، قبل أن تنضم في أكتوبر حاملة الطائرات USS Gerald R. Ford مع 4,000 جندي ومقاتلات وسفن مرافقة. كما تم تعزيز القواعد الأمريكية في بورتوريكو، هندوراس، كوبا، أروبا، وكوراساو، فيما تظهر صور الأقمار الصناعية تحديثات مكثفة في قاعدة Roosevelt Roads في بورتوريكو. ويبلغ عدد القوات نحو 12,700 جندي، وهو كافٍ لتنفيذ ضربات جوية دقيقة، لكنه أقل بكثير من العدد المطلوب لأي غزو بري حقيقي يتراوح بين 50,000 و150,000 جندي وفق تقديرات الخبراء. ويعكس هذا التراكم العسكري رغبة واشنطن في ممارسة الضغط على مادورو دون الدخول في مواجهة برية شاملة قد تكون كارثية.
خطر على المدنيين: ساحل كاراكاس تحت التهديد
يعيش معظم سكان فنزويلا على الساحل الشمالي، بما في ذلك العاصمة كاراكاس التي تبعد 9 أميال فقط عن البحر، ما يجعل أي عملية عسكرية محتملة تهدد حياة ملايين المدنيين. وبالرغم من أن الولايات المتحدة تركز على ضربات جوية محدودة تستهدف مواقع النظام أو شبكات الجريمة، فإن احتمال وقوع أضرار جانبية أو خسائر بشرية واسعة يبقى مرتفعاً. وقد أدى الحشد العسكري والتحذيرات الأمريكية إلى حالة من القلق بين السكان المحليين، الذين يخشون تحول المنطقة إلى ساحة نزاع مباشر. وبينما يسعى البيت الأبيض لتبرير عملياته عبر ملفات المخدرات، يؤكد المراقبون أن أي تصعيد عسكري سيؤدي إلى عواقب إنسانية وسياسية كبيرة، ويضع المنطقة أمام اختبار صعب لاستقرارها وأمن سكانها، ما يجعل الكاريبي على شفا أزمة غير مسبوقة منذ عقود.



