التايمز الامريكية: تصعيد أميركي جديد يفتح أبواب الجدل: هاجس مكافحة المخدرات أم توسع عسكري بلا قيود؟
تتواصل تداعيات الضربة البحرية الأميركية المثيرة للجدل في الكاريبي، والتي وُصفت بـ”الضربة المزدوجة” بسبب استهداف ناجين من الهجوم الأول، بينما يجد وزير الدفاع الأميركي بيت هيغست ملتقى نيران الانتقادات في واشنطن. وفي خضم هذا التوتر، أعلن الوزير عبر تصريحات واثقة على مواقع التواصل تنفيذ ضربة جديدة ضد قارب يُشتبه في تورطه بعمليات تهريب المخدرات في المحيط الهادئ الشرقي، ما أثار موجة متجددة من الأسئلة حول حدود القوة والشرعية.
المشهد السياسي الأميركي بدا مشتعلاً بعد إفادات الأدميرال فرانك “ميتشل” برادلي أمام أعضاء الكونغرس، إذ عرض تفاصيل العملية التي جرت في الثاني من سبتمبر وأسفرت عن مقتل ناجين من الضربة الأولى. هذه الواقعة فجّرت نقاشاً واسعاً حول إمكانية تصنيف العملية كجريمة حرب، خصوصاً بعد اتهامات مفادها أن هيغست قد أصدر توجيهات بـ”قتل الجميع”، الأمر الذي نفاه الوزير نفياً قاطعاً أمام النواب.

رغم الجدل، واصل هيغست تقديم نفسه بوصفه رأس الحربة في حملة صارمة ضد شبكات تهريب المخدرات العابرة للحدود. وعلى منصات التواصل، تحولت تصريحات ساخرة إلى إعلان مباشر عن تنفيذ ضربة جديدة، بعدما نشر أحد الناشطين المحافظين تعليقاً يقول إن الهجوم على هيغست يدفعه إلى “الرغبة في رؤية قارب مخدرات آخر يُغرق”. رد الوزير جاء سريعاً: “طلبك أوامر. أغرقنا واحداً للتو”. هذه اللهجة غير التقليدية في الإعلان عن عمليات قتالية أثارت انتقادات واسعة بسبب خفتها مقارنة بثقل القرارات العسكرية.
القيادة الأميركية الجنوبية أكدت لاحقاً أن العملية الأخيرة أسفرت عن مقتل أربعة أشخاص، ليرتفع العدد الإجمالي للقتلى إلى سبعة وثمانين منذ بدء الحملة في سبتمبر. وذكرت القيادة أن الاستهداف تم بعد التحقق من انتماء القارب إلى تنظيم مصنف إرهابياً وحمله مواد مخدرة على مسار تهريب معروف في شرق المحيط الهادئ. ومع ذلك، لم تُظهر الإدارة حتى الآن أدلة علنية حول طبيعة الشحنات المضبوطة في معظم الهجمات، رغم طمأنة المشرعين بأن مخدرات قد عُثر عليها.
البيت الأبيض سعى إلى الدفاع عن قانونية الضربات، مؤكداً أن برادلي تصرف ضمن سلطاته. إلا أن التسجيلات المصوّرة التي عُرضت على مجلس الشيوخ زادت من الانقسام؛ ففي حين وصفها السيناتور الجمهوري توم كوتون بأنها “ضربات عادلة وضرورية”، اعتبر السيناتور الديمقراطي جاك ريد المشاهد “صادمة ومقلقة”، وطالب بفتح تحقيق شامل ونشر النسخة غير المحررة من تصوير العملية.
التصعيد البحري لا يبدو معزولاً عن تحركات أكبر؛ فخلال الشهور الماضية عززت الولايات المتحدة حضورها العسكري في الكاريبي وأميركا اللاتينية بنشر مدمرات وطائرات مقاتلة وطائرات مسيرة وأنظمة مراقبة. كما وضع ترامب إمكانية شن ضربات على الأراضي الفنزويلية على الطاولة، معتبراً أن “العمليات البرية أسهل بكثير”، في خطوة قد تدفع المنطقة نحو مرحلة جديدة من الاحتكاك العسكري المباشر.

في المقابل، يرفع الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو سقف تحديه، محذراً من أن بلاده ستدافع عن “كل شبر من أرضها” ضد “التهديدات الإمبريالية”. وفي أجواء متوترة، يقف البلدان في مسار تصادمي، خصوصاً مع تشكيك واشنطن بشرعية مادورو واستمرار الأخير في تصوير نفسه كقائد يخوض معركة وجودية.
المشهد بأكمله يكشف تحولاً عميقاً في معادلة القوة الأميركية في نصف الكرة الغربي، حيث تُستخدم مكافحة المخدرات كمظلة لعمليات عسكرية واسعة النطاق، بينما تتصاعد الأسئلة حول حدود القانونية، وتوازن القوى، ومخاطر الانزلاق إلى صراع إقليمي مفتوح.



