«هانوا» الكورية ترسم ملامح صناعة قتالية برية متكاملة في رومانيا

تسعى شركة هانوا إيروسبيس الكورية الجنوبية إلى تجاوز الدور التقليدي لمورّد السلاح، عبر تبني مقاربة صناعية–استراتيجية طويلة الأمد في شرق أوروبا، تضع رومانيا في قلب مشروع متكامل لتطوير الصناعات القتالية البرية. فبدل الاكتفاء بتلبية احتياجات الجيش الروماني من المركبات المدرعة، تطرح الشركة نموذجًا يقوم على توطين الإنتاج، ونقل التكنولوجيا، وبناء قاعدة صناعية مستدامة قادرة على خدمة السوق المحلية والإقليمية على حد سواء. ويأتي هذا التوجه في سياق أوروبي يتسم بتزايد الهواجس الأمنية، لا سيما على الجناح الشرقي لحلف الناتو، وبسعي الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز الاكتفاء الدفاعي وتقليص الاعتماد الخارجي. ضمن هذا الإطار، يبرز العرض الكوري، المرتبط بمركبة المشاة القتالية «ريدباك» وبرنامج مدفعية K9، كمحاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الشركاء الصناعيين والدول المستقبلة، عبر ربط التحديث العسكري بالتنمية الصناعية طويلة الأمد.
ركيزة المدفعية كنقطة انطلاق صناعية
تعتمد «هانوا» في استراتيجيتها الرومانية على برنامج مدافع K9 Thunder باعتباره حجر الأساس لبناء منظومة صناعية أوسع. فالمدفع الذاتي الحركة عيار 155 ملم، بطول سبطانة 52 عيارًا، يمنح رومانيا قدرة نيرانية متقدمة ومتوافقة مع معايير حلف الناتو، سواء من حيث المدى أو معدل الإطلاق أو الاستدامة القتالية. إذ يتجاوز مداه 40 كيلومترًا باستخدام الذخائر التقليدية، ويرتفع إلى أكثر من 50 كيلومترًا مع الذخائر المعززة، ما يعزز من عمق الضربات المدفعية وقدرتها على دعم المناورة البرية. لكن الأهمية الحقيقية للبرنامج لا تكمن فقط في البعد العملياتي، بل في كونه يفرض إنشاء بنية صناعية تشمل التصنيع، والتجميع، والاختبارات، وسلاسل الإمداد المحلية. هذه البنية، التي يجري تطويرها في منشأة جديدة بمقاطعة دامبوفيتسا، تشكل منصة جاهزة لاحتضان برامج مدرعة أخرى، وتفتح الباب أمام تكامل صناعي يتجاوز المدفعية إلى منظومات القتال البرية الأوسع.
«ريدباك» محور القوة الميكانيكية
في قلب العرض الكوري لرومانيا تبرز مركبة المشاة القتالية Redback باعتبارها عنصر المناورة الأساسية في منظومة قتالية متكاملة. فالمركبة، المزودة بمحرك MTU بقوة 1000 حصان وناقل حركة من Allison، توفر قدرة حركة عالية تتجاوز سرعتها 65 كم/س، مع مدى عملياتي يقارب 520 كيلومترًا، ما يجعلها مناسبة للبيئات العملياتية المتنوعة في أوروبا الشرقية. وعلى صعيد الحماية، تجمع «ريدباك» بين دروع معيارية متعددة المستويات ونظام الحماية النشطة Iron Fist، القادر على اعتراض التهديدات المضادة للدروع قبل وصولها. كما تعززها منظومة استشعار كهروبصرية متقدمة تمنح الطاقم وعيًا ميدانيًا دائمًا. ويكتسب دمج برج Elbit MT-30 أهمية خاصة، كونه مستخدمًا بالفعل في مركبات Piranha 5 لدى الجيش الروماني، ما يسهم في تقليص أعباء التدريب وتوحيد العقيدة التشغيلية داخل القوات البرية.
منطق تشغيلي قائم على التوحيد والتكامل
ترتكز رؤية «هانوا» على فلسفة تشغيلية تسعى إلى تبسيط المنظومة اللوجستية وتعزيز التكامل بين مختلف عناصر القوة البرية. فالتشارك في مجموعة الدفع بين مدافع K9 ومركبات Redback يحدّ من تنوع خطوط الصيانة، ويوحد قطع الغيار، ويقلل العبء التدريبي على الأطقم الفنية. كما أن البنية الرقمية للمركبات مصممة للعمل ضمن شبكات القيادة والسيطرة المتوافقة مع الناتو، بما يسمح بتكامل مباشر مع وحدات المدفعية، والطائرات المسيّرة، وأنظمة الاستطلاع. وفي بيئة أمنية شديدة الحساسية قرب البحر الأسود، حيث تلعب سرعة الاستجابة ودقة القرار دورًا حاسمًا، يمنح هذا التكامل الشبكي القوات الرومانية قدرة أكبر على إدارة العمليات الدفاعية والهجومية بفعالية، ويعزز من مرونتها في مواجهة سيناريوهات التهديد المتغيرة.
توطين صناعي ونقل تكنولوجيا
تشدد «هانوا» على أن مشروعها في رومانيا يتجاوز مفهوم التجميع النهائي إلى توطين صناعي عميق يصل إلى نحو 80% من الإنتاج. ويشمل ذلك عمليات لحام الهياكل، وتشغيل المكونات الرئيسية، ودمج الأنظمة الإلكترونية، وإجراء الاختبارات داخل الأراضي الرومانية، إلى جانب نقل المعرفة الفنية وتدريب الكوادر المحلية. كما تسعى الشركة إلى إشراك الشركات الرومانية الصغيرة والمتوسطة في سلاسل التوريد، ما يخلق قيمة مضافة للاقتصاد المحلي ويعزز من الاستدامة الصناعية. ويتماشى هذا التوجه مع آلية SAFE التابعة للاتحاد الأوروبي، التي تشترط نسبًا مرتفعة من المحتوى المحلي لتعزيز الاكتفاء الدفاعي داخل القارة. وبهذا، لا تكتفي بوخارست بتحديث قدراتها العسكرية، بل تخطو نحو ترسيخ موقعها كلاعب صناعي قادر على المنافسة إقليميًا.
أبعاد استراتيجية تتجاوز الحدود الوطنية
يتجاوز الطموح الكوري حدود السوق الرومانية، ليطرح نموذجًا قد يعيد تشكيل خريطة الصناعات الدفاعية في أوروبا الشرقية. ففي حال نجاح المشروع، قد يتحول البلد إلى مركز إقليمي لإنتاج الأنظمة البرية، يجمع بين التكنولوجيا الآسيوية والقاعدة الصناعية الأوروبية، ويعزز من قدرة حلف الناتو على توزيع أعباء الإنتاج والدعم اللوجستي. وفي ظل تصاعد التوترات في محيط البحر الأسود، يمثل بناء منظومة إنتاج متكاملة للمركبات المجنزرة والمدفعية عنصر استقرار دفاعي إقليمي، ويمنح دول الجناح الشرقي هامشًا أوسع من الاستقلالية ضمن منظومة الدفاع الجماعي. هكذا، لا يبدو مشروع «هانوا» مجرد صفقة تسليح، بل رهانًا استراتيجيًا على صناعة دفاعية مشتركة تتجاوز منطق البيع والشراء.



