إصلاح جذري في البنتاغون: ثقافة المخاطرة المحسوبة لتسريع تسليم الأسلحة وتقليص البيروقراطية
في خطوة تُعدّ من أكبر التحولات في تاريخ المشتريات العسكرية الأمريكية، أعلن وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسِث عن خطة شاملة لإصلاح منظومة التسلّح تهدف إلى تسريع تسليم الأسلحة وتقليص القيود البيروقراطية التي كبّلت العملية لعقود. وتسعى الخطة إلى تمكين مسؤولي البرامج من صلاحيات أوسع لاتخاذ قرارات حاسمة بشأن إعادة توجيه الميزانيات أو تعديل متطلبات المشاريع الدفاعية دون العودة إلى التسلسل الهرمي الطويل.
ويطمح البنتاغون من خلال هذه التغييرات إلى تبني ثقافة “المخاطرة المحسوبة”، بحيث تُصبح الجرأة في اتخاذ القرار جزءًا من عملية التطوير وليس خروجًا عنها. ويرى هيغسِث أن سرعة الإنجاز لا تعني التسرّع، بل تمكين الكفاءات من العمل في بيئة أكثر مرونة تواكب التهديدات المتغيرة عالميًا.
ثقافة جديدة تعيد تعريف المسؤولية
أكد مايكل دافي، نائب وزير الدفاع لشؤون الاستحواذ والدعم اللوجستي، أن الهدف من الإصلاح هو الانتقال من “ثقافة الالتزام الصارم بالقواعد” إلى “ثقافة الجرأة المدروسة”، موضحًا أن البنتاغون يسعى لتسليم الأنظمة الدفاعية في الوقت المحدد مع الحفاظ على معايير الأداء والتكلفة.
وأوضح دافي أن مسؤولي البرامج سيُمنحون حرية إعادة توزيع الموارد والتفاوض على المتطلبات، بما يسمح لهم بإيجاد حلول مبتكرة تتجاوز القيود السابقة. وأضاف أن السرعة ليست هدفًا إلزاميًا، بل أداة استراتيجية لتحقيق الكفاءة التشغيلية. ويرى مراقبون أن هذا التحول قد يُحدث نقلة نوعية في بيئة العمل داخل الوزارة، إذ يربط بين المساءلة والمرونة بدلًا من التعارض بينهما.
أنظمة “85٪” ومفهوم الإنجاز المرحلي
في خطابه الأخير، أوضح هيغسِث أن الوزارة مستعدة لاعتماد أنظمة تسليح تقدم “85٪ من الحل” بدلًا من انتظار الكمال، على أن يجري تطويرها تدريجيًا للوصول إلى الجاهزية الكاملة. هذا النهج، بحسب دافي، يمنح قادة البرامج مرونة أكبر في اتخاذ القرار بشأن توقيت التسليم ومستوى القدرات المطلوبة.
ويُعدّ هذا التوجه استجابة مباشرة لوتيرة التطور التكنولوجي المتسارع، إذ يتيح للبنتاغون إدخال أنظمة جديدة إلى الخدمة بسرعة مع تحسينها لاحقًا استنادًا إلى الخبرة الميدانية. كما يتوقع أن يؤدي إلى تقليص الفجوة بين البحث العلمي والتطبيق العملي في القطاع الدفاعي، وهي فجوة طالما أعاقت فعالية الجيش الأمريكي في السنوات الماضية.
تحفيز الكفاءات وتمديد فترات القيادة
إلى جانب الإصلاحات الإجرائية، تسعى وزارة الدفاع الأمريكية إلى الإبقاء على الكفاءات القيادية ضمن مواقعها لفترات أطول لضمان استمرارية البرامج وتحقيق أثر ملموس في نتائجها. فبحسب الخطة الجديدة، سيحصل مديرو المشاريع والمسؤولون التنفيذيون على حوافز طويلة الأمد تربط الأداء بالنتائج، ما يرسخ مبدأ “المساءلة مقابل المرونة”.
وأشار دافي إلى أن الوزارة تمتلك أدوات تعاقد مرنة مثل اتفاقيات المعاملات الأخرى “OTA” التي يمكن توسيع استخدامها لتسريع عمليات الشراء وتقليل التعقيدات الإدارية. واعتبر أن هذه الآليات تمنح البنتاغون قدرة أعلى على مواكبة الابتكار الصناعي والتكنولوجي، وهو ما يمثل خطوة نحو بيئة دفاعية أكثر تكيفًا مع التحديات الحديثة.
دعم تشريعي لإصلاح منظومة الدفاع
يرتكز المشروع على دعم تشريعي واسع من خلال دمج قانوني SPEED وFoRGED ضمن مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2026. القانون الأول، الذي قدمه النائبان مايك روجرز وآدم سميث، يهدف إلى تبسيط الإجراءات وتوسيع صلاحيات مديري البرامج، فيما يسعى القانون الثاني الذي طرحه السناتور روجر ويكر إلى تقليص البيروقراطية وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص في العقود الدفاعية.
ويرى دافي أن هذه التشريعات تمثل الإطار القانوني الضروري لإنجاح الإصلاح، لأنها تمنح البنتاغون مساحة مرنة للتنفيذ مع بقاء آليات الرقابة قائمة. كما تؤكد الخطوة التوافق النادر بين الحزبين في قضايا الأمن القومي، ما يعكس إدراكًا متزايدًا بضرورة تسريع التحديث العسكري في مواجهة القوى الصاعدة.
توافق سياسي على تسريع التحديث العسكري
أكد دافي أن الوزارة حصلت على دعم الحزبين في الكونغرس، إضافة إلى التزام المشرعين بالتعاون المستقبلي لمنحها الصلاحيات المطلوبة. ويرى محللون أن هذا التوافق يعكس إدراكًا أمريكيًا متزايدًا لضرورة تحديث المنظومة الدفاعية في مواجهة تحديات عالمية تتسم بالسرعة والتعقيد.
وتشير تقديرات الخبراء إلى أن التحول نحو “ثقافة المخاطرة المحسوبة” سيعيد للبنتاغون مرونته المؤسسية التي فقدها بسبب البيروقراطية، مما يجعله أكثر قدرة على الابتكار والتكيّف. ووفق صحيفة Defense News ، يمثل هذا الإصلاح منعطفًا حاسمًا في نهج الإدارة الأمريكية لإدارة قوتها الدفاعية، في مسار قد يرسم مستقبل القدرات العسكرية الأمريكية لعقود قادمة.



