الديمقراطيون يتصلبون والجمهوريون يتراجعون.. شبح إغلاق حكومي جديد يقترب
بعد أسابيع قليلة من انتهاء أطول إغلاق حكومي في تاريخ الولايات المتحدة، والذي استمر 43 يومًا وشلّ عشرات الوكالات الفيدرالية، يعود شبح التعطيل المالي ليخيّم مجددًا على واشنطن مع اقتراب 30 يناير، الموعد النهائي لتمويل الحكومة الأمريكية. ورغم الجهود المكثفة لتمرير صفقة جديدة تضمن استمرار الخدمات الفيدرالية، تكشف مواقف الحزبين عن تصعيد سياسي متنامٍ، خصوصًا مع عودة ملف الإعانات الصحية الخاصة ببرنامج “أوباما كير” إلى قلب المواجهة. وبينما يضغط الديمقراطيون لمنع انتهاء الدعم الموسع الذي استفاد منه ملايين الأمريكيين، تتعرض القيادة الجمهورية لضغوط متزايدة من قواعدها اليمينية المتشددة، ما يخلق معادلة دقيقة قد تؤدي إلى مواجهة تشريعية جديدة. ومع صعوبة التوصل إلى اتفاق، يحذر اقتصاديون من تداعيات مالية واسعة قد تؤثر على الاستقرار الاقتصادي والانتخابات المقبلة. وفي ظل هذه الحسابات السياسية المتشابكة، تتجه الأنظار إلى الكونجرس، حيث يترقب الأمريكيون ما إذا كان يناير سيشهد إغلاقًا حكوميًا جديدًا في لحظة سياسية شديدة الحساسية.
غضب ديمقراطي وضغوط متصاعدة داخل الكونجرس
يتصاعد التوتر داخل المعسكر الديمقراطي مع شعور متنامٍ بأن الصفقة التي أنهت الإغلاق السابق لم تحقق الهدف الأساسي وهو الحفاظ على الإعانات الموسعة لبرنامج “أوباما كير”. ويؤكد قادة ديمقراطيون أن الموعد النهائي في 30 يناير يمثل فرصة لممارسة ضغط أقوى على الجمهوريين لإجبارهم على تمديد هذه الإعانات، خصوصًا أن ملايين الأمريكيين باتوا مهددين بخسارة التأمين الصحي أو تحمل زيادات باهظة في الأقساط. وعبّر النائب خوان فارجاس عن موقف حزبه بوضوح قائلاً إن الديمقراطيين يجب أن “يتمسكوا بموقفهم هذه المرة بشكل مطلق”، محذرًا من أن التخلي عن دعم الرعاية الصحية سيقود إلى نتائج كارثية على المستوى الاجتماعي والصحي. ويشير نواب كبار مثل مارك تاكانو إلى أن القضية لم تتراجع أهميتها، وأن الديمقراطيين سيدخلون معركة يناير بعزم أكبر بعد أن شعروا بأن الإغلاق السابق لم يحقق لهم ما توقعوه. ومع تزايد الضغوط الشعبية، يبدو الحزب مستعدًا لصدام جديد داخل الكونجرس.
برنامج صحي على المحك و24 مليون أمريكي في دائرة الخطر
تعود جذور الأزمة الحالية إلى الإعانات الصحية الموسعة التي أُقرت ضمن “أوباما كير” عام 2010 ثم عززتها إدارة بايدن خلال جائحة كورونا بهدف تخفيف الأعباء عن الأسر منخفضة ومتوسطة الدخل. ومع اقتراب انتهاء هذه الإعانات في الأول من يناير، تبدو المخاوف واسعة من أن ترتفع أقساط التأمين الصحي بشكل مضاعف، ما يهدد أكثر من 20 مليون أمريكي بفقدان تغطيتهم أو تحمل تكاليف لا يمكن تحملها. وتصف النائبة جودي تشو هذه القضية بأنها “لا تحتاج تفكيرًا”، مؤكدة أن مستقبل 24 مليون مواطن على المحك. وتتوقع تشو وديمقراطيون آخرون أن يكون نفوذهم أكبر في يناير، إذ سيكون كثير من الأمريكيين قد لمسوا بالفعل ارتفاع التكاليف، ما قد يضغط بقوة على المشرعين. وتضيف روزا ديلاورو، كبيرة الديمقراطيين في لجنة الاعتمادات، أن معارضة الجمهوريين التاريخية للبرنامج تجعل المواجهة محتومة، معتبرة أن ملف الإعانات لن يُغلق قبل جولة جديدة من الصراع داخل الكونجرس.
الجمهوريون بين ضغط القاعدة وقلق الانتخابات المقبلة
على الجانب الجمهوري، يتعامل المشرعون مع معضلة سياسية معقدة؛ فبينما لطالما وقف الحزب ضد “أوباما كير”، يجد نفسه اليوم متهمًا بأنه سيترك ملايين الناخبين بلا تأمين صحي إذا لم يتحرك لوقف الانهيار الوشيك في الإعانات. ويؤكد النائب آندي هاريس من كتلة “فريدوم كوكس” اليمينية أن خطر الإغلاق الجديد “يدركه الجميع”، مشيرًا إلى مقترح لتمويل تلقائي مؤقت للحكومة لتجنب الشلل الكامل. غير أن القيادة الجمهورية تخشى أن يؤدي أي تنازل كبير إلى غضب القاعدة المحافظة التي ترى في الإعانات شكلاً من أشكال التدخل الحكومي غير المقبول. في المقابل، يحذر نواب معتدلون مثل جيف فان درو من أن تجاهل الأزمة قد يلحق ضررًا انتخابيًا بالغًا بالحزب، خصوصًا في الدوائر المتأرجحة التي يعتمد ناخبوها على التأمين الصحي المدعوم. وبين ضغوط القاعدة ومخاطر صناديق الاقتراع، يبدو الجمهوريون محاصرين بين خيارات صعبة قد تحدد شكل المواجهة المقبلة في يناير.



