بوتين يراهن على الزمن: السلام الروسي أو استمرار الحرب

بينما ينهمك المسؤولون الأوكرانيون والأوروبيون في تعديل خطة السلام الأمريكية المؤلفة من 28 بنداً، والتي صيغت بتأثير روسي واضح وتميل بشكل كبير لصالح موسكو، يبقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مراقباً هادئاً. يرى الكرملين أن أي نتيجة تمنحه مكسباً: إما اتفاق يُكرّس تبعية أوكرانيا ويجعلها هشّة على المدى الطويل، أو فشل العملية السياسية بما يضطر واشنطن لتقليص دعمها لكييف، مع تعميق الشرخ بين الأوروبيين وترامب. وفي اجتماع أمني مع كبار مسؤولي بلاده، أكد بوتين أن الخطة الأمريكية قد تشكل “أساساً لتسوية نهائية” بعد مناقشات جوهرية، لكنه أضاف أن روسيا مستعدة لمواصلة الحرب، مهدداً بأن مزيداً من المدن الأوكرانية ستسقط وفق إيقاع يحدده الكرملين. وتعكس هذه المواقف استراتيجية موسكو القائمة على عامل الزمن، حيث يُعتقد أن الاقتصاد الروسي قادر على الصمود لفترة أطول من أوكرانيا التي تواجه نقصاً في السلاح والجنود والتمويل، فضلاً عن ضغوط سياسية داخلية متزايدة.
بوتين بين المرونة والضغط السياسي
قدّم بوتين تنازلات محسوبة خلال لقائه مع ترامب في ألاسكا، حيث تراجع عن المطالبة بكامل المناطق الأربع التي أعلن ضمها عام 2022، موحياً بمرونة روسية في سبيل السلام. ورغم ذلك، يبقى الهدف الروسي واضحاً: تفكيك الجبهة الغربية من خلال خلق تباعد بين ترامب والأوروبيين وبين كييف، ما يمكّن موسكو لاحقاً من فرض شروطها بالقوة إذا اقتضت الضرورة. وقد شملت المطالب الروسية التقليدية في الخطة الأمريكية حظر انضمام أوكرانيا للناتو، وتقليص حجم الجيش، وضمانات للغة الروسية والكنيسة الأرثوذكسية، إلى جانب انسحاب أوكراني من الجزء المتبقي من دونيتسك وتحويله إلى “منطقة منزوعة السلاح” مع الاعتراف به كأرض روسية. ويُظهر هذا المزيج من المرونة الظاهرية والتهديد الصريح قدرة موسكو على إدارة ملفات الحرب والسياسة في الوقت نفسه، مع توظيف الضغط الأمريكي لتسريع قبول الشروط الروسية أو كشف ضعف الغرب أمام الصراع.

ضغوط أمريكية على كييف وسط تحديات داخلية
تتعرض أوكرانيا لضغوط غير مسبوقة من الولايات المتحدة لقبول خطة السلام قبل موعد نهائي محدد، إذ تشير تقارير أوكرانية إلى تهديدات بوقف ما تبقى من الدعم العسكري إذا رفضت كييف التوقيع. ويتزامن ذلك مع تحديات داخلية تمثلت في فضائح فساد تضرب مقربين من الرئيس فولوديمير زيلينسكي، إضافة إلى ضغوط اقتصادية تتسارع بفعل تراجع الإيرادات وضغوط السوق المالية. ويرى محللون أن بوتين يستثمر في هذه البيئة المتوترة، مستخدماً عامل الوقت كسلاح استراتيجي، في حين يجد زيلينسكي نفسه مضطراً لإدارة أزمة متعددة الأبعاد تجمع بين الضغوط العسكرية، السياسية، والاقتصادية، مع الحفاظ على دعم الداخل والغرب. وتعكس هذه الديناميكيات صعوبة الموقف الأوكراني، حيث تتصارع الحاجة للحفاظ على السيادة الوطنية مع المخاطر المرتبطة بالاستسلام لشروط روسيا أو فقدان الدعم الدولي.


الانقسام الأوروبي وتأثيره على الأزمة
تتردد أوروبا في استخدام أرصدة روسيا المجمدة لتمويل أوكرانيا، ما يفاقم أزمة السيولة ويزيد من صعوبة اتخاذ قرارات عاجلة لدعم كييف. ويرى خبراء أن هذا التردد يعزز موقف موسكو، إذ يمكن لروسيا استخدام الانقسام الغربي لصالحها، مستغلة الاختلاف بين واشنطن وبعض الحلفاء الأوروبيين. ومع استمرار الخلافات حول مدى قبول البنود الروسية، يظل بوتين مستفيداً من الوضع، قادر على تحمّل الضغوط الاقتصادية والسياسية لفترة أطول من أوكرانيا. وتوضح هذه المعطيات أن اللعبة الروسية لا تقتصر على القوة العسكرية، بل تشمل أيضاً استراتيجيات الضغط النفسي والسياسي، بهدف تحقيق مكاسب استراتيجية ملموسة قبل أي اتفاق نهائي، وهو ما يضع زيلينسكي في مواجهة اختبار قيادي حاسم يتطلب موازنة دقيقة بين الدفاع عن السيادة والقبول بالضغط الدولي.



