الجارديان البريطانية: عضوية تدريجية لأوكرانيا؟ الاقتصاد يقود كييف نحو أبواب الاتحاد الأوروبي
في لحظة رمزية لافتة، وقف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ممسكًا بأول طائرة مسيّرة أوكرانية التصميم تُنتج داخل مصنع ألماني، خلال مشاركته في مؤتمر ميونيخ للأمن. لم تكن الصورة مجرد استعراض تكنولوجي، بل رسالة سياسية واقتصادية واضحة: أوكرانيا لا تقاتل فقط على الجبهة، بل تعيد رسم موقعها داخل الخريطة الصناعية الأوروبية.
بعد أربع سنوات على الغزو الروسي الشامل، يواصل الاقتصاد الأوكراني الصمود تحت القصف، ويبحث عن مسارات اندماج تدريجية داخل الاتحاد الأوروبي بدل انتظار العضوية الكاملة. الشراكات في مجالات الدفاع، والطاقة الخضراء، والاتصالات، باتت تشكل ملامح ما يمكن تسميته بـ”العضوية التدريجية”، حيث تنفتح أبواب السوق الأوروبية خطوة بخطوة مقابل التقدم في الإصلاحات. وفقًا لتقرير نشرته صحيفة الغارديان البريطانية.

اقتصاد ينمو تحت النار
رغم استمرار الهجمات الروسية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، سجل الاقتصاد الأوكراني نموًا متواضعًا العام الماضي تراوح بين 2% و3% قبل أن يتراجع فعليًا إلى نحو 1% بفعل الضربات المتواصلة. ويتوقع البنك المركزي الأوكراني تحسن النمو خلال العام الجاري، وإن كان بوتيرة أقل من التقديرات السابقة بسبب استمرار الاستهداف الروسي للبنية التحتية.
هذا الأداء يعكس قدرة لافتة على التكيّف، خاصة مع انتقال عدد متزايد من الشركات إلى شراكات أوروبية تقلل اعتمادها على الداخل المهدد أمنيًا، وتمنحها منفذًا إلى شبكة صناعية أوسع وأكثر استقرارًا.
“العضوية التقدمية”: حل سياسي واقعي
كورت فولكر، السفير الأميركي الأسبق لدى حلف الناتو، يرى أن هناك ضرورة سياسية لضم أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي سريعًا، لكن الواقع الإصلاحي لا يسمح بعضوية كاملة فورية. لذلك يطرح مفهوم “العضوية التقدمية”، حيث تحدد بروكسل حدًا أدنى من الالتزام، ثم تمنح كييف مزايا متزايدة كلما حققت تقدمًا في المعايير المطلوبة.
هذا النهج يتيح دمجًا سياسيًا واقتصاديًا أسرع، مع الحفاظ على شروط الانضمام النهائية، ما يمنح أوكرانيا مكاسب ملموسة قبل إغلاق جميع ملفات الإصلاح المعقدة.

صناعة دفاعية عابرة للحدود
يوجد اليوم نحو ألف شركة أوكرانية تعمل في أبحاث وتطوير الصناعات الدفاعية، مستفيدة من خبرة الحرب. كثير من هذه الشركات يرتبط بشراكات مع متعهدين أوروبيين وأميركيين، بينهم شركات عملاقة مثل Boeing التي توظف آلاف العاملين داخل أوكرانيا.
ورغم المخاطر، يؤكد ممثلو الشركات الأميركية أن 90% منها لا تزال تعمل بكامل طاقتها تقريبًا، حتى مع تعرض بعض المصانع للقصف المباشر. هذه الاستثمارات تُبنى على أفق زمني طويل يصل إلى عشر سنوات، ما يعكس رهانًا استراتيجيًا على مستقبل أوكرانيا داخل الفضاء الأوروبي.

الزراعة بين القيود الأوروبية والقصف الروسي
القطاع الزراعي، أحد أعمدة الاقتصاد الأوكراني، تلقى ضربات مزدوجة: قيود تجارية أوروبية ضمن اتفاقية “التجارة العميقة والشاملة”، وقرارات منفردة من دول مثل بولندا والمجر وسلوفاكيا بحظر واردات الحبوب الأوكرانية. إلى جانب ذلك، أدت الهجمات على موانئ البحر الأسود إلى تعطيل صادرات الحبوب.
النتيجة كانت اتساع فجوة تجارية ضخمة بلغت نحو 45 مليار دولار بنهاية 2025، يجري سدها أساسًا عبر مساعدات أوروبية تمول الإنفاق الحكومي والرعاية الاجتماعية، بينما تُخصص الضرائب لتمويل المجهود الحربي.

قطاعات صاعدة: التكنولوجيا والطاقة الخضراء
بعيدًا عن الزراعة، استفادت شركات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات من تحرير السوق الرقمية الأوروبية، إذ تحتفظ كثير من الشركات ببياناتها على خوادم سحابية خارج البلاد تفاديًا لخسائر القصف. كما يشهد قطاعا الطاقة الخضراء والاتصالات نموًا ملحوظًا رغم الاستهداف المتكرر للبنية التحتية.
هذا التحول الرقمي يعزز فرص اندماج أوكرانيا في السوق الموحدة الأوروبية، ويمنحها ميزة تنافسية في مجالات ذات قيمة مضافة عالية.

إعادة الإعمار: فرصة تاريخية
قدّر البنك الدولي كلفة إعادة إعمار أوكرانيا بنحو 588 مليار دولار، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف الناتج السنوي للبلاد. هذا الرقم الضخم يمثل تحديًا هائلًا، لكنه في الوقت ذاته فرصة تاريخية لاستقطاب استثمارات خاصة يمكن أن تحوّل أوكرانيا إلى واحدة من أقوى اقتصادات أوروبا خلال العقد المقبل.
في هذا السياق، ترى شركات أميركية وأوروبية أن مستقبل أوكرانيا الطبيعي هو داخل الاتحاد الأوروبي، وليس في الفضاء الروسي، خصوصًا في ظل استمرار التهديدات الأمنية حتى في حال التوصل إلى تسوية سياسية.
إقرأ ايضًا: قائد الجيش الإيراني أمير حاتمي يتحدى واشنطن: لسنا لقمة سائغة



