
وفقًا لتقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز، تسعى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى صياغة ما يشبه “مخرجًا سياسيًا” من الحرب مع إيران، عبر اتفاق هش يقوم على وقف التصعيد مقابل تنازلات اقتصادية ونووية متبادلة، في محاولة لإنهاء صراع بدأ في 28 فبراير الماضي. لكن التقرير يكشف أن هذه الخطة، رغم طموحها، تقوم على رهان بالغ الخطورة: أن تقبل القيادة الإيرانية، المنقسمة داخليًا، التخلي عن أيديولوجيتها مقابل وعود بالازدهار الاقتصادي والانفتاح الدولي. وبينما تراهن واشنطن على أن فتح الاقتصاد الإيراني وإعادة دمجه في النظام العالمي قد يدفع طهران نحو “التحول البراغماتي”، يشير التقرير إلى أن هذا السيناريو لا يزال ضعيف الاحتمال، في ظل تمسك التيارات المتشددة داخل النظام بخيار المواجهة، ورفضها فكرة التخلي عن المشروع النووي أو إعادة تعريف دور إيران الإقليمي. وفي الوقت ذاته، تحاول الإدارة الأميركية تجنب العودة إلى التصعيد العسكري المباشر لما قد يسببه من اضطراب في أسواق الطاقة العالمية وتداعيات سياسية داخلية.
اتفاق هش يقوم على “السلام مقابل الاقتصاد”
تفاصيل الإطار التفاوضي المقترح تشير إلى معادلة معقدة تقوم على إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة دون رسوم، وتعهد إيراني بعدم السعي لامتلاك سلاح نووي، مقابل وقف العمليات العسكرية ورفع تدريجي للعقوبات الأميركية والإفراج عن أصول مالية مجمدة.
لكن التقرير يوضح أن هذا الاتفاق ليس نهائيًا، بل مجرد مرحلة انتقالية تمتد 60 يومًا، يتم خلالها التفاوض على تفاصيل حساسة تتعلق بمصير اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب. وبينما تقترح واشنطن تصدير أو تخفيف هذا المخزون أو نقله لدولة ثالثة، لم توافق طهران بشكل قاطع على التخلي الكامل عنه، ما يجعل الاتفاق عرضة للانهيار في أي لحظة.
الملف النووي.. العقدة الأخطر في أي تسوية
القضية النووية تمثل جوهر الخلاف بين الجانبين، إذ تصر واشنطن على منع إيران من امتلاك أو تطوير سلاح نووي، بينما تواصل طهران التمسك بحقها في التخصيب، باعتباره جزءًا من سيادتها الوطنية.
ويشير التقرير إلى أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية ستلعب دورًا في مراقبة أي التزام محتمل، لكن غياب اتفاق واضح على التفاصيل الفنية يجعل التنفيذ معقدًا للغاية. كما يحذر محللون من أن الحرب الأخيرة قد تدفع إيران إلى تعزيز رغبتها في امتلاك “ردع نووي” بدل التخلي عنه، ما يعني أن أي تسوية قد تكون مؤقتة أكثر منها نهائية.

اقتصاد مقابل أيديولوجيا.. معركة داخل النظام الإيراني
يراهن الفريق التفاوضي الأميركي على فكرة أن تقديم حوافز اقتصادية تدريجية يمكن أن يدفع إيران نحو تغيير سلوكها السياسي. الخطة تقوم على مبدأ “كلما التزمت أكثر، حصلت على مزيد من التخفيف في العقوبات”، مع فتح الباب أمام استثمارات دولية ضخمة لإعادة إعمار الاقتصاد الإيراني بعد الحرب.
لكن هذا الطرح يصطدم بجدار أيديولوجي داخل النظام، حيث ترى قوى متشددة أن الانفتاح الاقتصادي قد يؤدي إلى “تآكل الثورة” ثقافيًا وسياسيًا. وبينما يعاني الشارع الإيراني من إرهاق الحرب ويطمح إلى تحسين الأوضاع المعيشية، تبقى النخبة الحاكمة منقسمة بين خيار البقاء على النهج الثوري أو التوجه نحو نموذج أكثر براغماتية يشبه بعض دول الخليج.
مضيق هرمز.. شريان النفط العالمي تحت الاختبار
أحد أهم عناصر الصفقة المقترحة يتمثل في إعادة فتح مضيق هرمز بشكل كامل، وهو الممر البحري الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية. وتشير التقديرات الواردة في التقرير إلى أن استئناف الملاحة الطبيعية قد يؤدي إلى انخفاض سريع في أسعار الطاقة عالميًا، بعد أشهر من الاضطراب.
لكن هذا التفاؤل يصطدم بتقديرات أخرى أكثر حذرًا، إذ يرى بعض الخبراء أن تعافي أسواق النفط لن يكون سريعًا بسبب التوترات المستمرة، واحتمالات تعطيل الإمدادات مجددًا. كما أن استمرار التهديدات العسكرية في المنطقة قد يبقي الأسواق في حالة تقلب، حتى في حال التوصل إلى اتفاق مبدئي.
لعبة النفوذ الإقليمي.. وسطاء إقليميون في قلب الأزمة
التقرير يكشف أيضًا أن واشنطن تعتمد على شبكة من الوسطاء الإقليميين، تشمل قطر وتركيا والسعودية والإمارات وباكستان، في التواصل مع أطراف داخل النظام الإيراني، بما في ذلك بعض عناصر الحرس الثوري.
هذا النهج يعكس تعقيد المشهد الإيراني، حيث لم يعد هناك مركز قرار واحد واضح، بل شبكة من القوى المتنافسة داخل الدولة. وتراهن الإدارة الأميركية على أن هذا الانقسام يمكن أن يُستغل لدفع أطراف داخل النظام نحو قبول التسوية، مقابل مكاسب اقتصادية وسياسية مستقبلية.
ماذا يعني هذا التحول؟.. والسيناريو القادم
التحرك الأميركي نحو اتفاق مع إيران يعكس تحولًا استراتيجيًا من خيار “الإسقاط العسكري” إلى خيار “إعادة التشكيل عبر الاقتصاد”، لكن هذا الرهان محفوف بمخاطر كبيرة. فإذا فشلت المحادثات، قد تعود المنطقة إلى دوامة تصعيد عسكري أوسع يهدد أسواق الطاقة والاستقرار الإقليمي. أما إذا نجحت، فقد نشهد بداية إعادة دمج إيران تدريجيًا في الاقتصاد العالمي، مع تحول سياسي داخلي بطيء وغير مضمون.
السيناريو الأقرب، بحسب التقرير، هو مرحلة طويلة من “السلام الهش”، حيث يستمر التوتر تحت سقف منخفض دون انفجار شامل، مع بقاء جميع الأطراف في حالة ترقب استراتيجي، بانتظار ما إذا كانت طهران ستختار فعلاً “الازدهار بدل الأيديولوجيا”، أم ستعود إلى مسار المواجهة من جديد.
اقرأ ايضَا: صدمة في طوكيو واشنطن تؤجل صواريخ توماهوك اليابانية بعد استنزاف مخزونها في حرب إيران



