الجارديان: العالم يقترب من “المنطقة الحمراء” في أسواق النفط.. وتحذيرات من أزمة طاقة عالمية خلال أسابيع
وفقًا لتقرير نشرته صحيفة الجارديان، أطلق المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول تحذيرًا شديد اللهجة بشأن اقتراب أسواق النفط العالمية من “المنطقة الحمراء” بحلول شهري يوليو وأغسطس، في ظل تراجع المخزونات العالمية وارتفاع الطلب على الوقود مع اقتراب موسم السفر الصيفي، بالتزامن مع استمرار اضطراب الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط بسبب الحرب والتوترات الجيوسياسية المتصاعدة. التحذيرات الجديدة تعكس حجم القلق الدولي من احتمال حدوث صدمة طاقة عالمية جديدة قد تكون أخطر من أزمات النفط السابقة، خاصة مع تعطل ملايين البراميل يوميًا من السوق العالمية وتزايد المخاوف من اتساع الصراع الإقليمي حول إيران ومضيق هرمز. التقرير يكشف أيضًا أن الدول الكبرى بدأت بالفعل في دراسة خيارات طارئة، تشمل استخدام الاحتياطات النفطية الاستراتيجية وإعادة صياغة سياسات الطاقة بالكامل، وسط مخاوف من موجة تضخم عالمية جديدة قد تضرب الاقتصادات الكبرى خلال الأشهر المقبلة.
وكالة الطاقة الدولية تدق ناقوس الخطر

خلال كلمة ألقاها في مركز أبحاث دولي بلندن، أكد فاتح بيرول أن العالم يقترب بسرعة من مرحلة حرجة في سوق الطاقة، محذرًا من أن تراجع المخزونات النفطية يقابله غياب أي إمدادات إضافية من الشرق الأوسط، بينما يرتفع الطلب العالمي بشكل كبير بسبب موسم السفر الصيفي.
وأوضح أن الأسواق قد تدخل “المنطقة الحمراء” خلال أسابيع إذا لم تحدث انفراجة في تدفقات النفط أو تهدئة للتوترات الجيوسياسية. كما كشف أن نحو أربعة عشر مليون برميل نفط يوميًا اختفت من السوق العالمية بسبب الاضطرابات الحالية، وهو رقم وصفه خبراء بأنه صادم وقد يؤدي إلى قفزات حادة في الأسعار عالميًا.
مضيق هرمز في قلب الأزمة العالمية
التقرير يوضح أن أحد أخطر عناصر الأزمة الحالية يتعلق بمستقبل مضيق هرمز، الذي يعد الشريان الأهم لنقل النفط عالميًا. فاتح بيرول شدد على أن الحل الأساسي للأزمة الحالية يتمثل في إعادة فتح المضيق بشكل كامل وغير مشروط، لأن أي اضطراب في حركة الملاحة هناك ينعكس فورًا على أسعار الطاقة والإمدادات العالمية.
ويأتي ذلك وسط تصاعد التوتر بين إيران والدول الغربية، في وقت أعلنت فيه طهران إنشاء هيئة جديدة للإشراف على الملاحة في المضيق، ما أثار ردود فعل غاضبة من دول الخليج، خصوصًا الإمارات التي وصفت الخطوة الإيرانية بأنها “خيالية وغير واقعية”.
حرب إيران تضرب سمعة الشرق الأوسط النفطية
واحدة من أخطر الرسائل التي حملها التقرير تتعلق بتراجع الثقة الدولية في الشرق الأوسط كمصدر آمن للطاقة. فبحسب وكالة الطاقة الدولية، فإن الحرب والتوترات الأخيرة ألحقت ضررًا كبيرًا بصورة المنطقة كمركز مستقر لإمدادات النفط والغاز.
بيرول توقع أن تدفع الأزمة الحالية العديد من الدول إلى البحث عن بدائل طويلة المدى بعيدًا عن نفط الشرق الأوسط، بما يشمل التوسع في الطاقة المتجددة والطاقة النووية وحتى الفحم في بعض الحالات. كما رجح أن تدفع الحكومات أسعارًا أعلى مقابل الحصول على إمدادات من دول تعتبر أكثر استقرارًا وأمانًا سياسيًا.
مفاوضات واشنطن وطهران تتعثر وسط تصعيد خطير

الأزمة النفطية تتزامن مع تعثر المفاوضات الحساسة بين إيران والولايات المتحدة بشأن البرنامج النووي وإنهاء الحرب. المرشد الإيراني مجتبى خامنئي أكد مجددًا رفض بلاده نقل مخزون اليورانيوم عالي التخصيب إلى أي دولة أخرى ضمن أي اتفاق محتمل مع واشنطن.
في المقابل، أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصريحات متضاربة بشأن الملف النووي الإيراني، حيث قلل أحيانًا من أهمية إخراج اليورانيوم الإيراني للخارج، بينما عاد ليؤكد لاحقًا رغبته في السيطرة الكاملة على هذا الملف.
هذا التناقض يعكس حجم التعقيد في المفاوضات الحالية، خاصة مع فشل الوساطة الباكستانية حتى الآن في تحقيق اختراق حقيقي بين الطرفين.
إيران تواجه أزمة داخلية في قطاع النفط

التقرير أشار أيضًا إلى أن إيران نفسها قد تواجه أزمة اقتصادية متصاعدة بسبب محدودية قدرتها على تخزين النفط، في ظل تراجع الصادرات وتعطل جزء من البنية التحتية النفطية بسبب الحرب.
كما حذر خبراء الطاقة من أن بعض الدول المعتمدة بشدة على عائدات النفط، مثل العراق، قد تواجه صعوبات ضخمة في تمويل استثمارات جديدة داخل قطاع الطاقة، ما قد يفاقم أزمة الإمدادات لسنوات طويلة قادمة.
هذا الوضع قد يدفع دول المنطقة إلى إعادة النظر في سياساتها الاقتصادية بالكامل، خاصة إذا استمرت أسعار النفط في التقلب الحاد أو تعرضت طرق التصدير الرئيسية لمزيد من التهديدات.
العالم أمام موجة تضخم جديدة؟
التحذيرات من أزمة النفط لا تتعلق فقط بأسعار الوقود، بل بتأثيراتها المحتملة على الاقتصاد العالمي بأكمله. ارتفاع أسعار الطاقة يعني زيادة تكاليف النقل والإنتاج والغذاء، وهو ما قد يؤدي إلى موجة تضخم جديدة تضرب الاقتصادات الكبرى في أوروبا وآسيا وأمريكا.
فاتح بيرول حذر أيضًا من أن الأحزاب المتطرفة في أوروبا قد تستغل الغضب الشعبي الناتج عن ارتفاع الأسعار لتوجيه هجمات سياسية ضد الحكومات الحالية، ما قد يخلق اضطرابات سياسية واجتماعية واسعة خلال الفترة المقبلة.
ماذا يعني هذا للعالم؟ وما السيناريو المتوقع؟
العالم يبدو مقبلًا على مرحلة شديدة الحساسية في ملف الطاقة، خاصة إذا استمرت الحرب والتوترات في الشرق الأوسط دون حلول سياسية واضحة. السيناريو الأقرب حاليًا هو استمرار الضغط على الأسواق خلال الصيف مع احتمالات ارتفاع الأسعار بشكل أكبر إذا تعثرت المفاوضات مع إيران أو تعرضت الملاحة في مضيق هرمز لأي اضطرابات جديدة.
أما السيناريو الأخطر، فيتمثل في توسع الصراع الإقليمي أو انهيار كامل للمفاوضات النووية، ما قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية جديدة ويعيد العالم إلى أجواء أزمات الطاقة الكبرى التي شهدها خلال سبعينيات القرن الماضي.



