رويترز تكشف: رجال الأسد المنفيّون يخططون لانتفاضة علويّة من روسيا ضد “سوريا الجديدة”
في الوقت الذي تحاول فيه “سوريا الجديدة” برئاسة أحمد الشرع لملمة جراح حربٍ أهلية دامت قرابة 14 عامًا، يكشف تحقيق مطوّل لوكالة رويترز عن صراع خفيّ تديره من موسكو شخصيات كانت يوماً في قلب دائرة حكم بشار الأسد.
التقرير يسلّط الضوء على اللواء السابق في الاستخبارات العسكرية كمال حسن، ورجل الأعمال الشهير وابن خال الأسد رامي مخلوف، اللذين تحوّلا من ركنين أساسيين في منظومة الديكتاتور السابق إلى لاعبين منفيّين يحاولان إعادة تشكيل النفوذ عبر البحر من روسيا.
من داخل العاصمة الروسية، يمول الرجلان شبكات من المقاتلين على الساحل السوري ولبنان، معظمهم من أبناء الطائفة العلوية، بهدف التحضير لانتفاضات مسلحة قد تعيد رسم خريطة النفوذ في مناطق اللاذقية وطرطوس وحمص. تقرير رويترز يشير إلى أن عشرات الآلاف من المقاتلين يتلقون أموالاً من هؤلاء المنفيّين، وأن الصراع لا يدور على السلطة فحسب، بل على التحكم في المجتمع العلوي نفسه، وعلى كنز إستراتيجي: شبكة مكوّنة من 14 غرفة قيادة تحت الأرض، مخزنة بالسلاح والذخيرة، بُنيت في أواخر عهد الأسد سعيًا لآخر خط دفاع للنظام.
في المقابل، تتحرك الحكومة الجديدة في دمشق، المدعومة أمريكيًا وإقليميًا، لإجهاض هذه الخطط عبر الاستعانة برجل من قلب النظام القديم أيضًا، هو خالد الأحمد، الذي تحوّل من أحد رجال الأسد إلى واجهة العلويين في “سوريا ما بعد الأسد”، مكلفًا بمهمة حساسة: إقناع أبناء الطائفة أن مستقبلهم ليس في العودة إلى الماضي، بل في التعايش مع النظام الجديد وتفادي جولة جديدة من المجازر والانتقام الطائفي.

تمرد من المنفى: رجال الأسد السابقون يعودون إلى المشهد
بحسب تحقيق رويترز، يعيش بشار الأسد نفسه في منفى شبه صامت في موسكو، مستسلِمًا لواقع خروجه من السلطة منذ ديسمبر 2024. لكن الدائرة الضيقة من حوله لم تتقبّل الهزيمة بالطريقة نفسها.
شخصيات كانت تمسك بأخطر ملفات الأمن والمال في سوريا، مثل اللواء كمال حسن والملياردير رامي مخلوف، قررت أن خسارة القصر الرئاسي لا تعني نهاية اللعبة. من منفاهم الروسي، بدأوا في ضخ ملايين الدولارات لبناء مجموعات مسلحة، على أمل استعادة جزء من النفوذ في الساحل السوري، أو على الأقل الإمساك بورقة العلويين في وجه السلطة الجديدة في دمشق.

ملايين الدولارات لشراء الولاءات على الساحل السوري
يكشف التقرير أن حسن ومخلوف ودوائر أخرى موالية للأسد موّلوا ما يزيد على 50 ألف مقاتل محتمل بين سوريا ولبنان، معظمهم من أبناء الطائفة العلوية الذين خدموا سابقًا في الجيش أو الأجهزة الأمنية.
وثائق داخلية للفصائل تشير إلى أن حسن يدّعي تمويل نحو 12 ألف مقاتل، بينما يتحدث مخلوف عن شبكة تصل إلى أكثر من 54 ألف مقاتل موزعين على عشرات المجموعات في حمص وحماة واللاذقية وطرطوس.
ورغم ضخامة الأرقام، تقول مصادر ميدانية لرويترز إن كثيرًا من هؤلاء يقبضون رواتب هزيلة، تتراوح بين 20 و30 دولارًا شهريًا، ويتلقون التمويل من الجهتين في آن واحد، مستغلين شدة الفقر الذي يضرب المجتمع العلوي بعد سقوط النظام القديم.

سباق على “الكنز المدفون”: غرف القيادة السرية والسلاح المخزّن
من أهم أهداف هذا الصراع، بحسب التحقيق، شبكة من 14 غرفة قيادة سرّية أنشأها النظام السابق في مناطق الساحل خلال أيامه الأخيرة. هذه المواقع عبارة عن مخازن كبيرة تحت الأرض مجهزة بأسلحة، وذخيرة، ووسائل اتصالات، وألواح طاقة شمسية، وخطط انتشار ميداني.
صور ووثائق اطلعت عليها رويترز تظهر صناديق مكدسة ببنادق كلاشنيكوف وقنابل يدوية وخرائط عسكرية. هذه الشبكة، الممتدة على طول الساحل لمسافة تقارب 180 كيلومترًا، توصف من أحد القادة الميدانيين بأنها “جزيرة الكنز”، والجميع يحاول أن يكون أول من يصل إليها ويتحكم بها.
محافظ طرطوس أحمد الشامي يعترف بوجود هذه المراكز، لكنه يقلل من خطورتها، مشيرًا إلى أن قدراتها “أُضعِفت بشكل كبير” بعد تحرير الساحل، وأن الدولة تراقبها عن قرب.

محاولة انقلاب مكتومة على “سوريا الجديدة”
التحركات الحالية لا تأتي في فراغ. فبعد سقوط الأسد وصعود أحمد الشرع، القائد السابق في تنظيم القاعدة الذي تحوّل إلى رئيس معترف به دوليًا، ظلت الساحة الداخلية تعيش على وقع التوتر الطائفي والاقتصادي.
دعم الولايات المتحدة ودول إقليمية للسلطة الجديدة لم يمنع اندلاع تمرد موضعي في مارس الماضي بمدينة علوية في ريف اللاذقية، انتهى بمجزرة مروعة قُتل فيها نحو 1,500 علوي على يد قوات موالية للحكومة بعد فشل الانتفاضة.
تلك الأحداث شكلت نقطة تحول، إذ بدأت شخصيات الأسد المنفية في إعادة تنظيم شبكاتها، مستثمرة شعورًا علويًا متزايدًا بالغبن والتهديد في ظل القيادة السنية الجديدة في دمشق.

مجتمع علوي ممزق بين الخوف والرغبة في الانتقام
تصف شهادات ميدانية نقلتها رويترز حالة احتقان شديدة في القرى والمدن العلوية على الساحل. أبناء الطائفة الذين دفعوا ثمنًا باهظًا خلال حكم الأسد والحرب الأهلية، وجدوا أنفسهم بعد سقوط النظام بين مطرقة السلطة الجديدة وسندان شبكات الأسد القديمة.
في 25 نوفمبر، خرجت تظاهرات غير مسبوقة في اللاذقية وحمص، رافعة شعارات تطالب بـ”مزيد من الحكم الذاتي” و”إطلاق سراح المعتقلين” و”وقف الاختطاف والقتل اليومي”.
المفارقة أن هذه الاحتجاجات لم تكن بإلهام من حسن أو مخلوف، بل من شيخ ديني علوي يعارض الاثنين معًا، ويدعو إلى عصيان سلمي بعيدًا عن العنف. ومع ذلك، سارع مخلوف إلى مهاجمته، معتبرًا أن “الوقت لم يحن بعد”.

رامي مخلوف: من إمبراطورية المال إلى أوهام “المخلّص”
كان رامي مخلوف واجهة الاقتصاد السوري في عهد الأسد، يسيطر على قطاعات الاتصالات والعقارات والسياحة، ويُقدَّر ما يملكه بمليارات الدولارات. لكنه سقط من عرش النفوذ حين اصطدم بعائلة الأسد نفسها عام 2019، فصودرت شركاته ووُضع قيد الإقامة الجبرية.
بعد سقوط دمشق، هرب مخلوف في سيارة إسعاف إلى لبنان، ثم انتقل إلى موسكو حيث يقيم اليوم في طابق خاص بأحد فنادق الخمس نجوم، وفق شهادات أقاربه ومساعديه. هناك، يقدم نفسه لأنصاره كـ”صاحب رسالة إلهية”، ويستند إلى تفسيرات دينية لنصوص شيعية عن معركة آخر الزمان في دمشق.
يرى مخلوف أن الله أعطاه المال والنفوذ ليكون له دور “مهدوي” في معركة كبرى ضد “الشرع”، الذي يصفه علنًا بلقب “السفياني”. من خلال شبكة من المديرين الماليين في لبنان والإمارات وروسيا، يحوّل الأموال إلى قادة ميدانيين علويين لشراء الولاءات، لكنها تبقى مبالغ متواضعة إذا ما قورنت بطموحاته في قيادة الساحل.

كمال حسن: رجل الاستخبارات الذي يريد الحرب على كل الجبهات
على الضفة الأخرى يقف اللواء كمال حسن، الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية، والمسؤول عن واحد من أكثر الأجهزة الأمنية بطشًا في عهد الأسد.
تقرير أممي سابق اتهم منظومته بابتزاز عائلات المعتقلين وابتلاع ثروات ضخمة مقابل معلومات أو وعود بالإفراج. كما كشفت تحقيقات عن دوره في إخفاء مقابر جماعية عام 2018 بنقل آلاف الجثث إلى صحراء قرب ضمير لإخفاء الأدلة.
اليوم، يعيش حسن في فيلا من ثلاث طوابق بضواحي موسكو، ويقود من هناك شبكة مالية وعسكرية. تقول مصادر قريبة منه إنه أنفق منذ مارس ما لا يقل عن 1.5 مليون دولار على نحو 12 ألف مقاتل في سوريا ولبنان.
رسائله الصوتية عبر واتساب لقادة ميدانيين تحمل خطابًا تعبويًا حادًا: دعوة للصبر، والتمسك بالسلاح، ووعد بإعادة “كرامة الطائفة”. وبالتوازي، أنشأ جمعية خيرية باسم “تنمية غرب سوريا” غطاءً إنسانيًا لنشاطه، تموّل إسكان عائلات علوية نازحة، وتوزع مبالغ على ضباط منفيين.
الأخطر أنه أعاد تجميع فريق من نحو 30 “هاكر” كانوا يعملون سابقًا في جهازه، كُلّفوا باختراق قواعد بيانات الوزارات السورية الجديدة وعرضها للبيع على الإنترنت المظلم، في إشارة إلى أن معركته ليست ميدانية فقط بل إلكترونية أيضًا.
ماهر الأسد: الأخ الغاضب الذي لم يتحرك بعد
يبقى ماهر الأسد، شقيق بشار الأصغر وقائد “الفرقة الرابعة” سابقًا، ورقة ثقيلة في هذا الصراع لم تُستخدم بعد.
رغم خروجه إلى موسكو مع شقيقه، تشير شهادات ضباط سابقين إلى أن نفوذه المالي والعسكري لم يتبخر. شبكات التهريب والاقتصاد الموازي التي بناها خلال الحرب ما زالت قائمة بدرجة ما، وكثير من مقاتلي الفرقة الرابعة – يقدّر عددهم بعشرات الآلاف – ما زالوا يعتبرونه قائدهم الشرعي.
حتى الآن، لم يموّل ماهر أي تمرد واضح، لكنه في قلوب أنصاره يمثل “الأسد الحقيقي” الذي يرفض فكرة أن أبناء حافظ الأسد يمكن أن يُنفوا من دمشق. حسن يحاول كسب دعمه بالاستناد إلى سنوات التعاون الأمني، فيما يسخر مخلوف علنًا من أبناء خاله ويصفهم بـ”الفارّين”.

روسيا ولبنان والإمارات: جغرافيا المنفى والمال والرسائل المتناقضة
تدور تحركات هذه الشبكات في مثلث جغرافي معقد: موسكو، بيروت، وأبوظبي.
روسيا تستضيف الأسد ورجاله السابقين، لكنها في الوقت نفسه تعلن، وفق دبلوماسيين تحدثوا لرويترز، أن أولويتها هي الاحتفاظ بقواعدها العسكرية في الساحل السوري تحت حكم الشرع، لا المغامرة مع مشروع تمرّد غير مضمون.
في مارس، رتّب ضابط سوري يحمل الجنسية الروسية، أحمد الملة، لقاءات غير رسمية بين نواب عن حسن ومخلوف ومسؤولين روس. الرسالة الروسية كانت واضحة: “نظموا أنفسكم وارونا خططكم”، دون أي التزام بالتبني أو الدعم. بعد زيارة الشرع لموسكو في أكتوبر، توقفت هذه اللقاءات بالكامل.
الإمارات من جانبها تؤكد أن أراضيها ليست منصة لتمويل أنشطة غير مشروعة، رغم أن بعض تحويلات مخلوف تمر عبر شبكات رجال أعمال مقيمين فيها، بحسب الوثائق التي راجعتها رويترز.
الرجل المكلف بإطفاء النار: خالد الأحمد وجسر الثقة مع العلويين
في مواجهة هذه الشبكات، تعتمد حكومة الشرع على شخصية مثيرة للاهتمام: خالد الأحمد، صديق الطفولة للرئيس الجديد، وقيادي سابق في منظومة الأسد.
الأحمد كان يومًا مؤسسًا لـ”قوات الدفاع الوطني” الموالية للنظام السابق، ثم انقلب عليه بعد أن همّشته عائلة الأسد، لينضم سرًّا إلى مشروع إسقاطه عبر تحالف مع الشرع.
اليوم، يتحرك الأحمد بين فيلا محصّنة في دمشق وشقة فاخرة في بيروت، بوصفه “أقوى علوي في سوريا الجديدة”. مهمته الأساسية تهدئة غضب الساحل، عبر مشاريع تشغيل وتنمية، وإقناع العلويين بأن البحث عن حماية لدى رجال الأسد المنفيين لن يجلب لهم إلا جولة جديدة من الدم.
وزارة الداخلية أعلنت في أكتوبر تفكيك خلية في الساحل قالت إنها موالية لمخلوف وتخطط لاغتيال صحفيين وناشطين. محافظ طرطوس يؤكد أن الاعتقالات المرتبطة بشبكات مخلوف وحسن وصلت إلى عشرات الأشخاص، في رسالة واضحة مفادها أن الدولة الجديدة تراقب وتردّ.
ورغم كل هذه التحركات، تبقى غرف القيادة السرية في الجبال، وأكوام السلاح المدفون، ومقاتلون فقراء ممزقون بين أكثر من ممول، عناصر جاهزة لإشعال مواجهة جديدة إذا اختلّ ميزان القوى أو تبدّل موقف موسكو. أحد القادة الميدانيين الذين يشرفون على بعض هذه المراكز يلخّص الموقف بقوله:
“كل شيء جاهز ليوم ما… لكن حتى الآن، لا نرى طرفًا يستحق أن نُضحّي من أجله.”



