حرب إيران تُربك واشنطن.. أمريكا تُجمّد تسليح تايوان وترامب يفتح باب الصفقة مع الصين
وفقًا لتقرير نشرته The Guardian، دخلت العلاقات الأمريكية التايوانية مرحلة شديدة الحساسية بعد إعلان مسؤول عسكري أمريكي رفيع أن واشنطن أوقفت مؤقتًا صفقات الأسلحة المخصصة لتايوان بسبب استنزاف الذخائر الأمريكية في الحرب ضد إيران. التصريحات التي أدلى بها القائم بأعمال وزير البحرية الأمريكي Hung Cao فجّرت موجة واسعة من القلق داخل تايبيه، خصوصًا أنها جاءت بعد أيام فقط من لقاء جمع الرئيس الأمريكي Donald Trump بالرئيس الصيني Xi Jinping في بكين، وسط تلميحات أمريكية غير مسبوقة حول إمكانية استخدام ملف تسليح تايوان كورقة تفاوض مع الصين. التقرير يكشف أن الحرب مع إيران بدأت بالفعل تعيد تشكيل أولويات واشنطن العسكرية والاستراتيجية، في وقت تخشى فيه دول آسيوية من تراجع قدرة الولايات المتحدة على الوفاء بالتزاماتها الأمنية عالميًا.
واشنطن تعترف لأول مرة بتجميد تسليح تايوان

خلال جلسة استماع داخل الكونغرس الأمريكي، كشف المسؤول العسكري الأمريكي هانج كاو أن إدارة ترامب أوقفت مؤقتًا بعض صفقات السلاح الخارجية، وعلى رأسها حزمة تسليح ضخمة لتايوان تبلغ قيمتها نحو 14 مليار دولار. وبرر القرار بالحاجة إلى الحفاظ على مخزون الذخائر والصواريخ الأمريكية المستخدمة في العمليات العسكرية ضد إيران ضمن عملية “Epic Fury”.
التصريحات حملت دلالات خطيرة، لأنها تمثل أول اعتراف رسمي بأن الحرب مع إيران أثّرت بشكل مباشر على قدرة الولايات المتحدة في تزويد حلفائها بالسلاح. كما أظهرت حجم الضغط الذي تعانيه الترسانة العسكرية الأمريكية بعد أشهر من المواجهة في الشرق الأوسط، وهو ما يثير تساؤلات واسعة حول مدى استعداد واشنطن لخوض أزمات متزامنة في أكثر من منطقة بالعالم.
تايوان في حالة ترقب وقلق سياسي
رغم محاولة الرئاسة التايوانية التقليل من خطورة التصريحات الأمريكية، فإن الأجواء داخل تايبيه تبدو متوترة للغاية. المتحدثة باسم الرئاسة التايوانية أكدت أن الجزيرة لم تتلق حتى الآن أي إخطار رسمي بإلغاء أو تعديل الصفقات العسكرية، لكن مجرد الحديث الأمريكي عن “تجميد مؤقت” اعتُبر مؤشرًا مقلقًا داخل الدوائر السياسية والأمنية.
وتعتمد تايوان بشكل شبه كامل على الدعم العسكري الأمريكي في مواجهة التهديدات الصينية المتصاعدة، خصوصًا مع تكثيف بكين مناوراتها العسكرية حول الجزيرة خلال الأشهر الأخيرة. لذلك فإن أي تأخير في وصول الأسلحة أو الذخائر قد يضعف قدرة تايوان الدفاعية، ويمنح الصين مساحة أكبر للضغط السياسي والعسكري.
ترامب يربط ملف تايوان بالمفاوضات مع الصين
التطور الأخطر في القضية لا يتعلق فقط بالسلاح، بل بطريقة تعامل ترامب مع ملف تايوان سياسيًا. فالرئيس الأمريكي ألمح أكثر من مرة خلال زيارته الأخيرة إلى بكين إلى أن صفقات السلاح الأمريكية يمكن استخدامها كورقة تفاوض مع الصين، في تحول لافت عن السياسة الأمريكية التقليدية التي كانت ترفض ربط أمن تايوان بالمساومات الدبلوماسية.
كما كشف ترامب أنه ناقش قضية تايوان “بالتفصيل” مع الرئيس الصيني شي جين بينج، مؤكدًا أنه سيحسم قريبًا موقفه النهائي من صفقات التسليح. هذه التصريحات أثارت مخاوف واسعة داخل الأوساط الأمريكية والآسيوية من احتمال تقديم تنازلات لبكين مقابل تفاهمات اقتصادية أو سياسية أكبر، خصوصًا في ظل رغبة ترامب في تهدئة التوترات مع الصين بالتزامن مع استمرار أزمة إيران.
الصين ترى الفرصة المثالية للضغط
من جانبها، تراقب بكين المشهد بدقة، وتعتبر أن الضغوط التي تواجهها واشنطن في الشرق الأوسط تمثل فرصة استراتيجية لإعادة تشكيل التوازنات في آسيا. الصين لطالما اعتبرت تايوان جزءًا من أراضيها، ورفضت بشكل قاطع أي دعم عسكري أمريكي للجزيرة.
وخلال لقاء ترامب وشي جين بينج، وجّه الرئيس الصيني تحذيرًا واضحًا بأن سوء إدارة ملف تايوان قد يدفع الولايات المتحدة والصين نحو “الصدام أو المواجهة”. ومع تراجع تدفق السلاح الأمريكي إلى الجزيرة، قد ترى بكين أن اللحظة الحالية مناسبة لتكثيف الضغوط السياسية والعسكرية، وربما اختبار حدود الرد الأمريكي في المرحلة المقبلة.
استنزاف عسكري أمريكي يثير قلق الحلفاء
التقارير الأخيرة القادمة من واشنطن تؤكد أن الحرب ضد إيران استنزفت جزءًا مهمًا من مخزون الصواريخ الأمريكية المتطورة، خاصة منظومات الدفاع الجوي والصواريخ الاعتراضية المستخدمة لحماية القواعد الأمريكية وحلفاء واشنطن في الشرق الأوسط.
هذا الوضع أثار قلقًا متزايدًا لدى حلفاء الولايات المتحدة في آسيا، وعلى رأسهم اليابان وكوريا الجنوبية، اللتان تعتمدان على المظلة العسكرية الأمريكية في مواجهة التهديدات الصينية والكورية الشمالية. ويخشى مراقبون أن يؤدي استمرار النزيف العسكري الأمريكي إلى تراجع قدرة واشنطن على الردع عالميًا، ما قد يشجع خصومها على التحرك في أكثر من جبهة.
ماذا يعني هذا التطور؟ وما السيناريو المتوقع؟
الحدث يكشف بوضوح أن الحرب مع إيران لم تعد أزمة إقليمية فقط، بل تحولت إلى عامل يعيد تشكيل أولويات الأمن القومي الأمريكي عالميًا. فواشنطن تجد نفسها الآن مضطرة للموازنة بين دعم حلفائها في الشرق الأوسط والحفاظ على التزاماتها العسكرية في آسيا.
السيناريو الأكثر ترجيحًا هو استمرار “التجميد المؤقت” لصفقات السلاح إلى حين إعادة بناء المخزون العسكري الأمريكي، لكن الأزمة قد تتطور إذا استغلت الصين هذا التراجع الأمريكي لتصعيد الضغوط على تايوان. كما أن أي مواجهة جديدة مع إيران قد تدفع إدارة ترامب لاتخاذ قرارات أكثر حساسية بشأن توزيع القوة العسكرية الأمريكية حول العالم.
وفي حال استمرت حالة الغموض الحالية، فقد تجد تايوان نفسها أمام مرحلة غير مسبوقة من القلق الاستراتيجي، خاصة إذا بدأت واشنطن فعليًا التعامل مع ملف الجزيرة باعتباره ورقة تفاوض ضمن صراعها الأكبر مع الصين.



