دول الخليج تتجه للتعايش مع إيران بعد الحرب والرياض تطرح اتفاقًا تاريخيًا لوقف التصعيد
وفقًا لتقرير نشرته منصة ذا كرادل فإن دول مجلس التعاون الخليجي بدأت تعيد رسم استراتيجيتها تجاه إيران بعد الحرب الأخيرة التي قلبت موازين الأمن الإقليمي وكشفت حدود سياسة الاحتواء التي اعتمدت عليها المنطقة لسنوات طويلة. التقرير يشير إلى أن السعودية تقود تحركات غير معلنة لطرح إطار إقليمي جديد يقوم على مبدأ عدم الاعتداء بين دول الخليج وإيران في محاولة لمنع اندلاع مواجهة جديدة قد تهدد استقرار الشرق الأوسط بالكامل.
التحول الجديد لا يعني بالضرورة نهاية الخلافات الخليجية الإيرانية لكنه يعكس إدراكًا متزايدًا داخل العواصم الخليجية بأن إيران رغم الضربات الاقتصادية والعسكرية التي تعرضت لها لا تزال لاعبًا إقليميًا لا يمكن تجاهله أو عزله بالكامل. كما أن الحرب الأخيرة أظهرت أن أي مواجهة مباشرة مع طهران تحمل كلفة هائلة على المنطقة بأسرها وخاصة فيما يتعلق بأمن الطاقة والملاحة في مضيق هرمز.
الحرب غيّرت الحسابات الخليجية
لسنوات طويلة اعتمدت دول الخليج على فرضية أن الضغوط الاقتصادية والعقوبات الغربية والتحالفات العسكرية مع واشنطن كفيلة بإضعاف إيران تدريجيًا وتقليص نفوذها الإقليمي. لكن الحرب الأخيرة قلبت هذه الحسابات بعدما أثبتت طهران قدرتها على الصمود رغم الضربات المكثفة.
الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة وتعطيل الملاحة قرب مضيق هرمز كشفت هشاشة الأمن الإقليمي في حال اندلاع مواجهة مفتوحة. هذا الواقع دفع العديد من العواصم الخليجية إلى مراجعة استراتيجيتها والانتقال من فكرة “احتواء إيران” إلى البحث عن آليات للتعايش معها ومنع الانفجار الشامل.
السعودية تتحرك نحو اتفاق عدم اعتداء
التقرير كشف أن الرياض طرحت بشكل غير رسمي فكرة إنشاء اتفاق إقليمي لعدم الاعتداء مستوحى من اتفاقات الحرب الباردة الأوروبية المعروفة باسم عملية هلسنكي. الهدف من هذه المبادرة هو بناء نظام أمني إقليمي يقلل فرص المواجهة المباشرة ويمنع تحول الخليج إلى ساحة حرب مفتوحة.
ورغم عدم وجود مفاوضات رسمية معلنة حتى الآن فإن مجرد طرح الفكرة يعكس تحولًا سياسيًا مهمًا داخل الخليج. فالسعودية التي كانت لسنوات في مقدمة المواجهة السياسية مع إيران تبدو الآن أكثر اهتمامًا بخفض التصعيد وتأمين الاستقرار الاقتصادي والطاقة بعيدًا عن الصراعات الطويلة.
إيران لم تُهزم كما توقع خصومها
أحد أهم الدروس التي خرجت بها دول الخليج من الحرب هو أن إيران رغم الضغوط لم تنهَر كما كان يتوقع البعض. الاقتصاد الإيراني تعرض لضربات قوية والنفوذ الإقليمي واجه تحديات كبيرة لكن النظام السياسي بقي قائمًا والقدرات العسكرية الأساسية لم تُدمّر بالكامل.
الأهم من ذلك أن طهران أثبتت قدرتها على تهديد استقرار المنطقة إذا تم حصارها أو استهدافها بشكل مباشر. هذه الحقيقة دفعت العديد من الدول الخليجية إلى الاقتناع بأن استبعاد إيران من معادلة الأمن الإقليمي لم يعد خيارًا واقعيًا.

الصين وروسيا تدعمان التحول الجديد
التحركات الخليجية الجديدة تتقاطع مع مصالح الصين وروسيا اللتين تدعمان منذ سنوات فكرة بناء نظام أمني إقليمي بعيدًا عن الهيمنة الأمريكية المباشرة. الصين تنظر إلى استقرار الخليج باعتباره ضرورة لحماية إمدادات الطاقة ومشروعاتها التجارية الكبرى بينما ترى موسكو أن أي نظام أمني جديد قد يقلل النفوذ الأمريكي في المنطقة.
كما أن التقارب السعودي الإيراني الذي رعته بكين عام 2023 مهّد الطريق أمام هذا التحول التدريجي في العلاقات الإقليمية. لذلك فإن أي اتفاق مستقبلي قد يحظى بدعم سياسي واقتصادي من القوى الدولية المنافسة للولايات المتحدة.
لماذا قد تتردد طهران في التجاوب الآن
رغم أهمية الطرح الخليجي فإن إيران لا تبدو مستعدة حاليًا للدخول في ترتيبات إقليمية طويلة المدى. فطهران تعتبر أن الحرب لم تنتهِ فعليًا وأن احتمالات التصعيد مع إسرائيل أو الولايات المتحدة ما زالت قائمة.
كما أن ملف العقوبات الأمريكية ومستقبل مضيق هرمز والبرنامج النووي الإيراني لا يزال مفتوحًا ما يجعل الأولوية الإيرانية في الوقت الحالي تتركز على الردع العسكري وإدارة الأزمة وليس بناء نظام إقليمي جديد. ولهذا قد تؤجل إيران التعامل الجدي مع أي مبادرة خليجية حتى تتضح ملامح المرحلة المقبلة.
ماذا يعني هذا التحول للمنطقة والعالم
التحول الخليجي تجاه إيران قد يكون بداية لمرحلة جديدة في الشرق الأوسط تقوم على إدارة التوازنات بدلًا من سياسة الصدام المفتوح. وإذا نجحت هذه المقاربة فقد تساهم في تقليل احتمالات الحروب الكبرى وتأمين حركة الطاقة العالمية وحماية الاقتصاد الدولي من صدمات جديدة.
لكن السيناريو المقابل يبقى قائمًا أيضًا فإذا فشلت الجهود السياسية أو عادت المواجهات العسكرية فقد تدخل المنطقة مرحلة أكثر خطورة وتعقيدًا خاصة مع استمرار التنافس الأمريكي الصيني الروسي على النفوذ في الخليج.



