نيويورك تايمز: زهران ممداني وثورة الطبقة المتوسطة المتعثرة في نيويورك
حين تتحول المدينة إلى "منتج فاخر".. حتى الميسورون يبدأون بالتمرد
رغم أن كيت شوتزينغل، أم لثلاثة أطفال تعيش في بروكلين، تعيش حياة مريحة نسبيًا وتعمل في مجال التكنولوجيا، فإنها تشعر أن حلم الاستقرار في نيويورك بات بعيد المنال. فبعد أن تمكنت هي وزوجها من شراء منزل بفائدة منخفضة خلال الجائحة، اكتشفا لاحقًا أن التوسع في نفس الحي أصبح مستحيلاً، إذ تجاوزت الأسعار قدرتهم المالية.
تقول كيت:
“لا يبدو أن هناك أي خطوة تالية يمكننا تحقيقها منطقيًا.”
هذا الشعور – بين الامتنان والضيق – أصبح مشتركًا بين شريحة واسعة من الطبقة الوسطى الشابة في نيويورك، التي أصبحت ترى مدينتها المبهرة وكأنها سراب من الثراء، لا يمكن الوصول إليه.
ومن هذا الإحباط الجماعي وُلدت ثورة انتخابية قادت إلى فوز زهران ممداني بمنصب عمدة نيويورك الجديد.
فوز غير متوقع لسياسي اشتراكي في قلب الرأسمالية
زهران ممداني، البالغ من العمر 34 عامًا، خاض حملته الانتخابية على منصة اشتراكية ديمقراطية هدفها جعل المدينة الأكثر غلاءً في العالم “صالحة للعيش للجميع”، عبر توسيع شبكة الأمان الاجتماعي وتجميد الإيجارات، وجعل الحافلات مجانية، وتوفير رعاية أطفال شاملة.
تقول كيت، إحدى مؤيداته:
“لأول مرة، أشعر أن السياسة يمكن أن تعمل لصالح جميع الناس، وليس فقط من هم في السلطة.”
تحالف غير متوقع بين الميسورين والمهمشين
يرجع فوز ممداني إلى تحالف غير تقليدي:
دعم قوي من الناخبين المسلمين والجنوب آسيويين الذين طالما همّشتهم المؤسسة السياسية.

تأييد واسع من الناخبين السود واللاتينيين.
وانجذاب الطبقة المتوسطة المتعلمة التي تشعر بالضيق من غلاء المعيشة رغم دخلها الجيد.
في أحياء مثل بارك سلوب وبروكلين هايتس، حيث يتجاوز الدخل الوسطي 200 ألف دولار، صوّت العديد من هؤلاء لصالح الاشتراكي الشاب، رغم أنهم لا يعانون مباشرة من الفقر.
كان التصويت، كما يرى محللون، رفضًا للنظام الاقتصادي الحالي بقدر ما هو تصويت للأمل.
من “منتج فاخر” إلى أزمة معيشة
في عام 2003، وصف العمدة مايكل بلومبرغ مدينة نيويورك بأنها “منتج فاخر”، في إشارة إلى تحولها إلى مركز عالمي للأثرياء والمستثمرين.
لكن بعد عقدين من ذلك، أصبحت تلك الرؤية عبئًا على المدينة نفسها.
ارتفعت أسعار العقارات، وتضاعفت تكاليف رعاية الأطفال والتعليم، وتراجعت القدرة الشرائية حتى لمن يكسبون 150 ألف دولار سنويًا.
يقول الكاتب جوناثان ماهلر:
“الأشخاص الذين كانوا يُعرفون قبل 40 عامًا باسم ‘اليابيز’ أصبحوا اليوم يعانون ماليًا. هؤلاء هم ناخبو ممداني.”

نيويورك بين مجد الماضي وتناقض الحاضر
في منتصف القرن العشرين، كانت نيويورك مدينة الفرص للجميع — بفضل سياسات العمدة فيوريلو لا غوارديا التي جمعت بين التصنيع القوي، والإسكان العام، والجامعات المجانية.
لكن مع أزمة السبعينيات وانهيار الصناعات، تحوّل تركيز المدينة نحو رعاية مصالح رأس المال والأسواق، مما جعلها جنة للأغنياء وجحيمًا لبقية السكان.
النتيجة اليوم: مدينة ساحرة لكنها مرهقة للعيش، كما يصفها الكاتب توماس دايجا:
“لقد صنعنا مدينة سحرية، لكنها أصبحت صعبة الاحتمال.”

برنامج ممداني: “كرامة للجميع”
يريد ممداني إعادة المدينة إلى نهج العدالة الاجتماعية، مستلهمًا من سياسات “الصفقة الجديدة” في ثلاثينيات القرن الماضي.
وقد وعد بأن وظيفة الحكومة ليست اختيار من يستحق الكرامة، بل ضمانها لكل مواطن.
لكن مع ديون المدينة المتزايدة، وتحذيرات الرئيس دونالد ترامب من تقليص الدعم الفيدرالي، يخشى اقتصاديون أن تتحول وعود ممداني إلى عبء مالي ضخم.
ومع ذلك، يرى مؤيدوه أن المدينة قادرة على “تحويل البؤس إلى حياة عادية يمكن تحملها”، كما وصفها أحد الأكاديميين المؤيدين له.
الطبقة المتوسطة تطالب بالدولة من جديد
يرى الخبراء أن نجاح ممداني يعكس إعادة اكتشاف لدور الحكومة المحلية، بعد عقود من الخصخصة.
فمشروع التعليم ما قبل المدرسي المجاني الذي أطلقه بيل دي بلاسيو عام 2013 أثبت أن البرامج الشاملة تفيد الفقراء والميسورين على حد سواء، ما مهّد الطريق لخطاب ممداني الحالي.
يقول دي بلاسيو:
“الفقراء يشكرونني بلطف، لكن الطبقة الوسطى تمسكني بذراعي وتقول: شكراً بشدة.”

تحديات ما بعد النصر
رغم الحماس الشعبي، فإن ممداني يواجه آلة بيروقراطية ضخمة، ونخبًا مالية ترى في سياساته تهديدًا مباشرًا لمصالحها.
كما يواجه تساؤلات من داخل ائتلافه نفسه: هل ستتحمل الطبقة الوسطى رفع الضرائب لتمويل خدمات عامة لا تحتاجها مباشرة؟
ورغم المخاوف، يبدو أن رسالة ممداني الأساسية لاقت صدى عميقًا:
“الحياة في نيويورك لا يجب أن تكون صراعًا دائمًا، بل يمكن أن تكون حياة كريمة — للجميع.”
خلاصة
فوز زهران ممداني يمثل تحولًا سياسيًا واجتماعيًا في قلب الرأسمالية الأمريكية، يقوده جيل جديد يشعر بأن النجاح المالي لم يعد كافيًا لضمان الاستقرار أو الكرامة.
وبينما يخشاه المستثمرون ويحتفل به الشباب، فإن نيويورك تدخل مرحلة جديدة:
مدينة لا تحلم فقط، بل تطالب بأن يكون الحلم في متناول اليد



