غواصة كورية تعبر المحيط الهادئ في مهمة بيع تاريخية.. كندا على أعتاب صفقة تسليح بـ44 مليار دولار
وفقًا لتقرير نشره موقع NewsArmy، دخلت كوريا الجنوبية رسميًا سباق أكبر صفقة غواصات في تاريخ كندا عبر استعراض بحري غير مسبوق، بعدما نجحت الغواصة الكورية الجنوبية ROKS Dosan Ahn Changho في تنفيذ أول عبور عبر المحيط الهادئ في تاريخ سلاح الغواصات الكوري، قاطعة نحو 14 ألف كيلومتر حتى وصلت إلى القاعدة البحرية الكندية في إسكويمالت بمقاطعة بريتش كولومبيا.
التحرك الكوري لم يكن مجرد زيارة عسكرية بروتوكولية، بل جاء في توقيت بالغ الحساسية، حيث تستعد أوتاوا لاتخاذ قرار استراتيجي بشأن برنامج ضخم لتحديث أسطولها البحري عبر شراء ما يصل إلى 12 غواصة جديدة بقيمة قد تصل إلى 44 مليار دولار.
وفي ظل المنافسة المحتدمة مع ألمانيا، اختارت سيول أن تقدم عرضًا عمليًا حيًا بدل الاكتفاء بالعروض الورقية، عبر إرسال غواصة متطورة في رحلة طويلة تؤكد قدرتها على تنفيذ المهام التي تحتاجها البحرية الكندية في المحيطات الثلاثة: الهادئ والأطلسي والقطب الشمالي.
رحلة بحرية تحولت إلى رسالة استراتيجية
الغواصة الكورية الجنوبية لم تصل إلى كندا بالصدفة، بل في إطار تحرك محسوب بعناية داخل نافذة التقييم النهائي لبرنامج الغواصات الكندي.
فالغواصة Dosan Ahn Changho، التابعة لفئة KSS-III، انطلقت من قاعدة جينهاي البحرية في مارس الماضي، مرورًا بجوام وهاواي، قبل أن تصل إلى ميناء إسكويمالت في رحلة طويلة هدفت لإثبات قدرتها العملياتية على العمل لمسافات بعيدة دون دعم مباشر.
هذا النوع من العروض الحية يحمل أهمية كبيرة في صفقات الدفاع الحديثة، لأن الدول لم تعد تشتري المواصفات النظرية فقط، بل تبحث عن أنظمة أثبتت قدرتها على العمل في ظروف حقيقية.
والرسالة الكورية هنا كانت واضحة: الغواصة التي تعرضها سيول على كندا ليست مشروعًا مستقبليًا أو نموذجًا تجريبيًا، بل منصة قتالية قادرة بالفعل على تنفيذ مهام بعيدة المدى في أصعب البيئات البحرية.
لماذا تحتاج كندا غواصات جديدة بشكل عاجل؟
البحرية الكندية تواجه منذ سنوات أزمة حقيقية في أسطول الغواصات.
فالغواصات الحالية من فئة فيكتوريا البريطانية تعاني من مشاكل صيانة متكررة وعمر تشغيلي متقدم، بينما تحتاج كندا إلى قدرات بحرية أوسع بسبب موقعها الجغرافي الفريد المطل على ثلاثة محيطات.
التوترات العالمية المتزايدة، خاصة في القطب الشمالي والمحيط الهادئ، دفعت أوتاوا إلى تسريع مشروع Canadian Patrol Submarine Project، الذي يهدف لبناء أسطول حديث قادر على تنفيذ دوريات بعيدة ومراقبة الممرات البحرية الحساسة.
كما أن تصاعد النفوذ البحري الصيني والنشاط الروسي في القطب الشمالي جعلا ملف تحديث الغواصات أولوية أمن قومي بالنسبة للحكومة الكندية وحلف الناتو.
الغواصة الكورية.. منصة هجومية متطورة
الغواصة الكورية من فئة KSS-III تُعد أول غواصة كبيرة تصممها كوريا الجنوبية محليًا بالكامل، وهي تمثل قفزة نوعية في الصناعات الدفاعية الكورية.
وتعمل الغواصة بمحركات ديزل مدعومة ببطاريات ليثيوم وأنظمة دفع مستقلة عن الهواء، ما يسمح لها بالبقاء تحت الماء لفترات طويلة دون الحاجة للصعود وإعادة الشحن.
كما تمتلك الغواصة قدرات هجومية متقدمة تشمل أنابيب طوربيد ومنظومة إطلاق عمودي للصواريخ المجنحة والباليستية، وهي ميزة تمنحها قدرة ردع تتجاوز مهام الحرب التقليدية تحت الماء.
الأهم من ذلك أن الرحلة عبر الهادئ أثبتت قدرة المنصة على تنفيذ عمليات طويلة المدى، وهو شرط أساسي وضعته كندا في مشروعها البحري الجديد.
ألمانيا تدخل المنافسة بخبرة الناتو
في المقابل، لا تبدو المنافسة سهلة بالنسبة للكوريين، إذ تواجههم شركة TKMS الألمانية التي تعرض غواصات Type 212CD المطورة، وهي فئة تمتلك سجلًا تشغيليًا قويًا داخل عدة بحريات أوروبية.
وتراهن ألمانيا على خبرتها الطويلة داخل منظومات الناتو، إضافة إلى شراكات صناعية مع شركات كندية، فضلًا عن وعود بإنشاء مراكز صيانة ودعم لوجستي داخل كندا نفسها.
كما تشير تقارير إلى أن أوتاوا تدرس سيناريو “التقسيم” بين الموردين، بحيث تحصل على غواصات من الطرفين بدل الاعتماد على مصدر واحد، رغم عدم صدور قرار رسمي حتى الآن.
ماذا يعني هذا السباق عالميًا؟
المنافسة بين كوريا الجنوبية وألمانيا تعكس تحولًا مهمًا في سوق الصناعات العسكرية العالمية.
فكوريا الجنوبية لم تعد مجرد مستورد للتكنولوجيا العسكرية الغربية، بل أصبحت منافسًا مباشرًا للدول الأوروبية التقليدية في أسواق السلاح الثقيلة، خاصة بعد نجاحها في تصدير الدبابات والمدفعية والطائرات المسيّرة.
كما تكشف الصفقة المحتملة عن تصاعد أهمية الحرب البحرية مجددًا، خصوصًا مع عودة التوترات الكبرى بين القوى العالمية في المحيطين الهادئ والقطب الشمالي.
وفي حال فوز سيول بالعقد، فسيكون ذلك أحد أكبر الانتصارات الدفاعية الكورية على الإطلاق، وقد يفتح الباب أمام موجة جديدة من صادرات الغواصات الكورية إلى دول أخرى تبحث عن بدائل أقل تكلفة وأكثر سرعة في التسليم مقارنة بالمنافسين الغربيين.
أما السيناريو الأرجح خلال الأسابيع المقبلة، فهو دخول المفاوضات الكندية مرحلة سياسية حساسة، حيث لن يعتمد القرار النهائي فقط على الأداء العسكري، بل أيضًا على التحالفات الصناعية والاستراتيجية طويلة المدى داخل حلف الناتو ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ.

