طلاء شبح من تركيا.. شركة ناشئة تزعم تطوير بخاخ يخفي الطائرات المسيّرة عن الرادارات
وفقًا لتقرير نشره موقع The Defence Blog، كشفت شركة دفاعية تركية ناشئة عن تطوير مادة طلاء جديدة تمتص موجات الرادار ويمكن رشّها مباشرة على الطائرات المسيّرة، في خطوة قد تغيّر مستقبل الحرب الجوية منخفضة التكلفة إذا ثبتت فاعلية التقنية ميدانيًا.
المادة الجديدة، التي تحمل اسم Kürşat 3.0، طوّرها الباحث التركي يونس إنجه على مدار سبع سنوات، ويقول إنها قادرة على خفض البصمة الرادارية للطائرات بدون طيار بشكل كبير عبر امتصاص الطاقة الكهرومغناطيسية بدلًا من عكسها نحو أنظمة الرصد.

وبحسب المعطيات الأولية التي قدمتها الشركة، فإن الاختبارات الأخيرة أظهرت قدرة المادة على تحقيق معدل تخفيض للإشارة الرادارية يصل إلى 43.2 ديسيبل، وهو رقم إذا تم التحقق منه بشكل مستقل قد يضع التقنية ضمن أكثر المواد امتصاصًا للرادار كفاءة في فئتها.
ويأتي هذا التطور في وقت تتسارع فيه سباقات التسلح المرتبطة بالطائرات المسيّرة، خاصة بعد الحرب الأوكرانية، التي أثبتت أن الطائرات الرخيصة قادرة على إحداث تأثير استراتيجي هائل يفوق أحيانًا أنظمة تسليح باهظة الثمن.
تقنية التخفي الرخيص تدخل مرحلة جديدة
على مدى عقود، ظلت تقنيات التخفي حكرًا على برامج عسكرية عملاقة تمتلكها قوى كبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين، حيث تعتمد الطائرات الشبحية التقليدية على تصميمات هندسية معقدة ومواد مركبة باهظة التكلفة لتقليل البصمة الرادارية.
لكن المشروع التركي الجديد يحاول قلب هذه المعادلة عبر تقديم حل أبسط وأقل تكلفة: بخاخ يمكن تطبيقه مباشرة على هيكل الطائرة دون الحاجة إلى تعديلات هيكلية أو ألواح خاصة.
وتقول الشركة إن المادة تعتمد على البنية المجهرية لصخور بركانية طبيعية مثل البازلت والخفاف، حيث تعمل المسامات الدقيقة داخل هذه المواد على احتجاز الموجات الكهرومغناطيسية وتحويلها إلى حرارة بدلًا من عكسها إلى الرادار.
هذا النهج، إن ثبت نجاحه عمليًا، قد يفتح الباب أمام تحويل الطائرات التجارية الصغيرة إلى منصات أكثر صعوبة في الرصد، وهو ما قد يغيّر قواعد الاشتباك في ساحات القتال الحديثة.
لماذا تمثل الطائرات المسيّرة أزمة عالمية؟
الحروب الأخيرة، خاصة في أوكرانيا والشرق الأوسط، كشفت حجم التهديد الذي تمثله المسيّرات الرخيصة.
فطائرات لا تتجاوز كلفتها بضعة آلاف من الدولارات أصبحت قادرة على تدمير دبابات ومنظومات دفاع جوي ومستودعات ذخيرة بملايين الدولارات.
هذا الواقع دفع الجيوش إلى الاستثمار بكثافة في أنظمة كشف واعتراض الطائرات الصغيرة، بما في ذلك الرادارات الدقيقة والحرب الإلكترونية وأنظمة الليزر والمدافع المضادة للمسيّرات.
لكن أي تقنية تقلل البصمة الرادارية لتلك الطائرات ستعني ببساطة تقليل زمن اكتشافها، وربما منحها فرصة اختراق الدفاعات والوصول إلى أهدافها قبل اعتراضها.
لذلك، فإن فكرة طلاء يمكن رشه بسهولة على طائرات صغيرة ومنخفضة التكلفة تُعتبر جذابة للغاية عسكريًا، لأنها تمنح قدرات “شبه شبحية” لمنصات لم تكن قادرة سابقًا على امتلاكها.
هل الأرقام المعلنة واقعية فعلًا؟
رغم الاهتمام الكبير بالمشروع، لا تزال هناك نقطة جوهرية تثير الجدل: عدم وجود تحقق مستقل من نتائج الاختبارات.
فالشركة التركية عرضت مقاطع فيديو وبيانات تقنية على وسائل إعلام دفاعية، لكنها لم تنشر حتى الآن دراسات علمية أو نتائج موثقة من مختبرات مستقلة تؤكد الأداء المعلن.
في عالم تقنيات التخفي، تختلف كفاءة المواد بشكل كبير بحسب ترددات الرادار وزاوية الرصد والظروف البيئية وطريقة التطبيق على الهيكل.
كما أن الأداء داخل المختبر لا يعني بالضرورة النجاح في ظروف الحرب الحقيقية، حيث الحرارة والغبار والاهتزازات والرطوبة قد تؤثر جميعها على فعالية المادة.
ومع ذلك، يشير خبراء إلى أن استخدام البازلت والخفاف في المواد الماصة للرادار ليس فكرة خيالية، بل موضوع خضع بالفعل لأبحاث أكاديمية خلال السنوات الأخيرة، ما يمنح المشروع قدرًا من المصداقية العلمية الأولية.
تركيا تراهن على هيمنة المسيّرات
الإعلان الجديد يأتي ضمن سياق أوسع يتمثل في الصعود السريع للصناعات الدفاعية التركية، خاصة في مجال الطائرات بدون طيار.
فتركيا استطاعت خلال سنوات قليلة التحول إلى أحد أبرز مصدري المسيّرات عالميًا، بفضل نجاح طائرات مثل بيرقدار TB2 التي لعبت أدوارًا بارزة في عدة نزاعات.
كما أن دخول الطائرة القتالية غير المأهولة “قزل إلما” الخدمة العسكرية عزز توجه أنقرة نحو الاستثمار في تقنيات التخفي والحرب الجوية المستقبلية.
وبلغت صادرات الصناعات الدفاعية التركية أكثر من 7 مليارات دولار خلال عام 2024، ما يعكس توسعًا متسارعًا في هذا القطاع.
في هذا الإطار، يبدو أن الشركات الصغيرة والمتوسطة في تركيا بدأت تدخل سباق تطوير التقنيات المساندة للمسيّرات، وليس فقط تصنيع الطائرات نفسها.
ماذا يعني هذا التطور عسكريًا؟
إذا أثبتت المادة التركية فعاليتها ميدانيًا، فقد تظهر مرحلة جديدة من التخفي منخفض التكلفة، حيث تصبح الطائرات الصغيرة أكثر صعوبة في الكشف والرصد دون الحاجة إلى منصات شبحية متطورة بمليارات الدولارات.
هذا قد يفرض تحديات ضخمة على أنظمة الدفاع الجوي التقليدية، خاصة أن معظم الرادارات الحالية مصممة للتعامل مع أهداف أكبر وأكثر وضوحًا.
كما قد يدفع الجيوش إلى الاستثمار أكثر في تقنيات الكشف متعددة الطبقات، مثل الذكاء الاصطناعي والمستشعرات الحرارية وأنظمة التتبع البصري، بدل الاعتماد الكامل على الرادار.
السيناريو الأكثر ترجيحًا هو أن تدخل الحرب بين المسيّرات الشبحية الرخيصة وأنظمة الكشف الذكية مرحلة أكثر تعقيدًا خلال السنوات المقبلة، وهو سباق قد يعيد تشكيل طبيعة الحروب الحديثة بالكامل.


