لماذا تشتري البنوك المركزية الذهب أثناء الحروب؟ قراءة في التحول العالمي بعيدًا عن الدولار
ينشر موقع الصاغة تقرير جديد بشأن عن سبب شراء البنوك المركزية الذهب أثناء الحروب والتحول العالمي بعيدًا عن الدولارفي الوقت الذي تنشغل فيه الأسواق العالمية بمتابعة تطورات الحروب والتوترات الجيوسياسية، تتحرك البنوك المركزية في اتجاه مختلف تمامًا، يعكس تحولًا استراتيجيًا عميقًا في إدارة الاحتياطيات.
فبدلًا من الابتعاد عن الأصول التقليدية، تتجه هذه البنوك بقوة نحو الذهب، ليس رغم الأزمات، بل بسببها، في إشارة واضحة إلى تغير قواعد اللعبة في النظام المالي العالمي.
وكشف مجلس الذهب العالمي في بيان اطلعت عليه الصاغة أن شهر فبراير 2026 سجل الشهر الثالث والعشرين على التوالي من صافي مشتريات البنوك المركزية للذهب، بإجمالي بلغ 27 طنًا خلال شهر واحد فقط.
وتصدرت بولندا قائمة المشترين بإضافة 20 طنًا من الذهب ، لترتفع احتياطياتها إلى 570 طنًا مع خطة للوصول إلى 700 طن، فيما أضافت أوزبكستان نحو 8 أطنان، ليشكل الذهب 88 بالمئة من إجمالي احتياطياتها. كما واصلت الصين تعزيز احتياطياتها بإضافة طن واحد للشهر السادس عشر على التوالي.
تراجع في الطلب على الذهب
في المقابل، باعت روسيا نحو 6 أطنان، وتبعتها تركيا ببيع 8 أطنان، وهو ما دفع بعض وسائل الإعلام إلى تفسير ذلك على أنه تراجع في الطلب على الذهب.
لكن هذه القراءة تبدو قاصرة، إذ تشير التحليلات إلى أن هذه المبيعات لا تعكس ضعفًا في قيمة الذهب، بل تعكس حاجة هذه الدول إلى سيولة فورية في ظل ضغوط الحرب، خاصة أن الذهب يُعد من الأصول القليلة التي يمكن تسييلها بسرعة دون الاعتماد على أنظمة مالية خاضعة لنفوذ دولي.
وتتضح الصورة بشكل أوسع عند النظر إلى التغيرات في هيكل الاحتياطيات العالمية، حيث تراجعت حصة الدولار الأمريكي إلى 56.77 بالمئة، وهو أدنى مستوى منذ عام 1994، في حين رفعت دول بريكس حيازاتها من الذهب إلى 17.4 بالمئة من إجمالي احتياطيات البنوك المركزية عالميًا، مقارنة بـ 11.2 بالمئة فقط في عام 2019.
كما تتجه بعض الدول، مثل إيران، إلى تقليل الاعتماد على الدولار في معاملاتها الدولية، وهو ما يعكس توجهًا متزايدًا نحو تنويع أدوات الاحتفاظ بالقيمة.
ويكمن السبب الرئيسي وراء هذا التحول في طبيعة الأصول نفسها، فالدول التي تحتفظ بالدولار تظل عرضة لمخاطر التجميد أو العقوبات، بينما قد يتعرض اليوان لتقلبات أو تدخلات سياسية، في حين يظل الذهب أصلًا ماديًا لا يمكن مصادرته أو التحكم في قيمته دون امتلاكه فعليًا، ما يجعله ملاذًا استراتيجيًا في أوقات الأزمات.
وفيما يتعلق بتوقعات الأسعار، رفعت مؤسسات مالية كبرى تقديراتها لمستقبل الذهب، حيث يستهدف جي بي مورغان وصول سعر الأوقية إلى 6300 دولار بنهاية العام، بينما توقعت غولدمان ساكس مستوى 5400 دولار، في حين رجح ويلز فارغو نطاقًا يتراوح بين 6100 و6300 دولار. ويأتي ذلك في وقت أغلق فيه الذهب عند 4723 دولارًا في الثامن من أبريل، بعد تصحيح بنسبة 9 بالمئة من قمته المسجلة في يناير.
هذا المشهد يعكس حقيقة أعمق، وهي أن الحروب لم تُضعف مكانة الذهب، بل أعادت تأكيد أهميته كأداة استراتيجية لحماية الثروات الوطنية، في ظل عالم يتجه بشكل متسارع نحو إعادة تشكيل موازين القوة الاقتصادية والنقدية.



