الجارديان: أسواق السندات تخنق السياسة البريطانية.. وخبراء يطالبون بكبح نفوذ بنك إنجلترا
وفقًا لتقرير نشرته صحيفة الجارديان، تتصاعد المخاوف داخل بريطانيا من تحوّل أسواق السندات إلى قوة تتحكم فعليًا في القرارات السياسية والاقتصادية للحكومة، وسط تحذيرات من أن السياسيين باتوا يخشون “غضب المستثمرين” أكثر من اهتمامهم بتنفيذ وعود التغيير الاقتصادي والاجتماعي. التقرير، الذي كتبته أستاذة الاقتصاد والتمويل الكلي دانييلا جابور، يسلط الضوء على ما وصفته بـ”هيمنة حراس السندات” على المشهد البريطاني، حيث أصبح أي حديث عن زيادة الإنفاق العام أو تنفيذ مشروعات إصلاحية ضخمة يواجه فورًا بتهديدات من الأسواق المالية برفع تكلفة الاقتراض الحكومي. وترى الكاتبة أن هذه المعادلة جعلت الديمقراطية البريطانية أسيرة لمصالح المستثمرين، بينما بات بنك إنجلترا لاعبًا رئيسيًا في تكريس هذا الوضع عبر سياساته النقدية وقراراته المتعلقة بالسندات الحكومية.
أسواق السندات أصبحت شبحًا يطارد الحكومة البريطانية

التقرير يشير إلى أن الطبقة السياسية البريطانية تعيش حالة خوف مستمرة من رد فعل الأسواق المالية، خاصة بعد الأزمة التي أطاحت بحكومة ليز تراس عقب ميزانيتها المصغرة الشهيرة. ومنذ تلك الأزمة، أصبح أي سياسي يتحدث عن زيادة الإنفاق أو تنفيذ استثمارات عامة واسعة يُتهم فورًا بتهديد الاستقرار المالي.
هذا المناخ دفع شخصيات سياسية بارزة إلى التراجع عن أفكار اقتصادية أكثر جرأة خوفًا من ارتفاع عوائد السندات الحكومية، وهو ما يعني عمليًا زيادة تكلفة ديون الدولة. وترى الكاتبة أن هذا الوضع خلق ما يمكن وصفه بـ”ديمقراطية بلا خيارات”، حيث تُفرض حدود صارمة على الحكومات المنتخبة بسبب مخاوف المستثمرين وليس بناءً على احتياجات المواطنين.
بنك إنجلترا في قلب الأزمة الاقتصادية
واحدة من أهم النقاط التي يطرحها التقرير تتعلق بالدور المتزايد لـ بنك إنجلترا في تشكيل المشهد الاقتصادي والسياسي داخل البلاد. الكاتبة ترى أن البنك المركزي لم يعد مؤسسة محايدة كما يُروج له، بل أصبح جزءًا من منظومة تحافظ على الوضع الاقتصادي القائم وتمنع أي تغييرات جذرية.
فبعد أزمة عام ٢٠٠٨، لعب البنك دور المشتري الأساسي للسندات الحكومية عبر برامج التيسير الكمي، لكنه عاد لاحقًا لبيع هذه السندات بشكل مكثف ضمن سياسة التشديد النقدي لمواجهة التضخم. ووفقًا للتقرير، فإن هذه الخطوات ساهمت في رفع تكلفة الاقتراض الحكومي بمعدلات كبيرة، وهو ما أضاف أعباء ضخمة على الميزانية البريطانية في وقت تعاني فيه البلاد أصلًا من تباطؤ اقتصادي وضغوط معيشية.
لماذا يرحب المستثمرون بالتقشف؟

التقرير يقدم زاوية مثيرة للجدل حول العلاقة بين المستثمرين والأزمات الاقتصادية، إذ تؤكد الكاتبة أن أسواق السندات لا تفضّل دائمًا النمو الاقتصادي القوي كما يُعتقد، بل قد تستفيد أحيانًا من الركود وسياسات التقشف.
ففي فترات التباطؤ الاقتصادي، تميل أسعار الفائدة إلى الانخفاض، ما يؤدي إلى ارتفاع قيمة السندات وتحقيق المستثمرين أرباحًا أكبر. لذلك ترى الكاتبة أن بعض المستثمرين يفضلون السياسات التي تقلص الإنفاق الحكومي وتبطئ الاقتصاد، حتى لو جاءت على حساب الخدمات العامة ومستويات المعيشة.
هذا التناقض بين مصالح الأسواق ومصالح المواطنين، بحسب التقرير، يفرض على الحكومات البحث عن نماذج تمويل بديلة تقلل اعتمادها على المستثمرين الكبار وأسواق الدين التقليدية.
أزمة السندات المرتبطة بالتضخم تستنزف خزينة لندن
التقرير حذر أيضًا من خطورة السندات الحكومية المرتبطة بالتضخم، والتي تُعرف باسم “السندات المحمية من التضخم”، حيث تلتزم الحكومة بدفع فوائد أعلى للمستثمرين كلما ارتفع معدل التضخم.
وبحسب الأرقام الواردة، اضطرت بريطانيا منذ أزمة أسعار الطاقة والحرب الروسية إلى دفع أكثر من ١٥٣ مليار جنيه إسترليني إضافية لخدمة ديونها بسبب هذه السندات. الكاتبة تعتبر أن بريطانيا أصبحت أكثر عرضة للخطر مقارنة بدول أوروبية أخرى بسبب اعتمادها الكبير على هذا النوع من أدوات الدين.
وترى أن الحكومة التقدمية المستقبلية يجب أن تعمل بالتنسيق مع البنك المركزي لإنهاء الاعتماد المفرط على هذه السندات، لأنها أصبحت تمثل “قنبلة مالية موقوتة” تهدد الاستقرار الاقتصادي البريطاني على المدى الطويل.
أموال التقاعد.. الحل البديل لتمويل المشروعات الكبرى
من أبرز الأفكار التي يطرحها التقرير دعوة الحكومة البريطانية إلى استخدام أموال صناديق التقاعد في تمويل مشاريع البنية التحتية والخدمات العامة بدلًا من تركها تتركز في الأسهم والاستثمارات الخاصة عالية الربحية.
الكاتبة تشير إلى أن التشريعات الجديدة تمنح الحكومة صلاحيات أوسع لتوجيه استثمارات صناديق التقاعد نحو الاقتصاد المحلي، وهو ما قد يفتح الباب أمام تمويل مشاريع الإسكان والنقل والمياه والطاقة دون الاعتماد الكامل على أسواق السندات.
هذا الطرح يعكس توجهًا اقتصاديًا مختلفًا يقوم على إعادة توظيف المدخرات المحلية لخدمة الاقتصاد الوطني، بدلًا من ترك مصير الإنفاق العام مرهونًا بردود فعل المستثمرين العالميين.
ماذا يعني هذا الجدل لمستقبل بريطانيا؟
التقرير يعكس معركة أوسع تدور داخل بريطانيا بشأن شكل الاقتصاد والدولة في السنوات المقبلة. فهناك تيار يرى أن الالتزام الصارم برضا الأسواق المالية يحمي الاستقرار الاقتصادي، بينما يعتبر آخرون أن هذا النهج أدى إلى سنوات من التراجع الاقتصادي وضعف الخدمات العامة وتآكل القدرة الاستثمارية للدولة.
السيناريو المتوقع هو استمرار الجدل حول دور بنك إنجلترا وحدود استقلاليته، خاصة إذا واجهت بريطانيا تباطؤًا اقتصاديًا جديدًا أو ضغوطًا مالية أكبر. كما أن تصاعد الغضب الشعبي من تراجع مستويات المعيشة قد يدفع بعض السياسيين إلى تبني سياسات أكثر تحديًا للأسواق المالية.
لكن في المقابل، يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع أي حكومة بريطانية مواجهة نفوذ أسواق السندات والبنك المركزي دون التعرض لهزات مالية وسياسية عنيفة؟ هذا ما ستكشفه السنوات المقبلة.



