بوليتيكو: الاتحاد الأوروبي يراهن على دعم ألمانيا لحملة تجارية صارمة ضد “المد الصيني” الذي يهدد الصناعة الأوروبية
وفقًا لتقرير نشره موقع بوليتيكو، تستعد المفوضية الأوروبية لدفع ألمانيا نحو تبنّي موقف أكثر تشددًا تجاه الصين في ملف التجارة، في ظل تصاعد المخاوف من تدفق المنتجات الصينية الرخيصة التي تهدد الصناعات الأوروبية، وعلى رأسها الصناعة الألمانية. التقرير يكشف أن بروكسل ترى في الأزمة الاقتصادية التي تضرب القطاع الصناعي الألماني فرصة سياسية لإقناع برلين بالتخلي عن تحفظاتها التقليدية تجاه بكين، خاصة مع تراجع النمو وتزايد فقدان الوظائف الصناعية. وتراهن المفوضية على أن حكومة المستشار فريدريش ميرتس ستجد صعوبة في الدفاع عن سياسة “الحياد التجاري” مع الصين، في وقت تتزايد فيه الضغوط الداخلية والانتقادات الشعبية لأداء الحكومة الاقتصادية.
أزمة الصناعة الألمانية تفتح الباب لتغيير أوروبي كبير

التقرير يشير إلى أن التراجع الحاد في الصناعة الألمانية، مع فقدان أكثر من 124 ألف وظيفة صناعية خلال عام واحد، خلق حالة من القلق السياسي والاقتصادي داخل الاتحاد الأوروبي. هذا التراجع لم يعد مجرد رقم اقتصادي، بل أصبح عامل ضغط مباشر على صناع القرار في برلين وبروكسل. ومع تراجع الرضا الشعبي عن الحكومة الألمانية، وارتفاع الغضب تجاه السياسات الاقتصادية، يرى مسؤولو الاتحاد الأوروبي أن اللحظة السياسية أصبحت مناسبة لطرح إجراءات أكثر صرامة ضد الصين، حتى لو كانت هذه الخطوة محفوفة بمخاطر ردود فعل تجارية انتقامية.
الصين في قلب اتهامات “الإغراق الصناعي”
بحسب التقرير، تتهم مؤسسات أوروبية بكين باتباع سياسة إغراق الأسواق الأوروبية بمنتجات مدعومة حكوميًا وبأسعار منخفضة، ما يؤدي إلى إضعاف القدرة التنافسية للشركات المحلية. هذا التوجه، الذي يصفه مسؤولون أوروبيون بـ“المد الصيني الصناعي”، يضغط بشكل خاص على قطاعات السيارات والكيماويات والهندسة. في المقابل، تحذر شركات أوروبية كبرى من أن أي إجراءات عقابية قد تؤدي إلى خسائر في السوق الصينية، التي تمثل مصدرًا حيويًا للأرباح والاستثمار، ما يجعل الموقف الأوروبي معقدًا بين حماية الصناعة وتجنب التصعيد التجاري.
ألمانيا بين حماية المصالح والخوف من الانتقام

التقرير يبرز الانقسام العميق داخل ألمانيا نفسها، حيث تسعى الحكومة إلى الحفاظ على علاقات تجارية مستقرة مع الصين، خاصة في قطاع السيارات الذي يعتمد على السوق الصينية بشكل كبير. في المقابل، ترتفع أصوات داخل قطاع الصناعة تطالب برد أوروبي أكثر صرامة ضد ما تعتبره ممارسات تجارية غير عادلة. هذا التناقض يضع حكومة ميرتس في موقف حساس، إذ تخشى من خسارة أحد أهم شركائها التجاريين، بينما تواجه ضغوطًا داخلية لإنقاذ الوظائف الصناعية المتراجعة.
بروكسل تتحرك نحو أدوات تجارية جديدة
المفوضية الأوروبية تعمل على تطوير ما تسميه “أداة مواجهة الفائض الصناعي”، وهي آلية تهدف إلى الحد من تدفق السلع المدعومة من الصين إلى الأسواق الأوروبية. هذه الخطوة تمثل تحولًا في سياسة الاتحاد التجاري، حيث يسعى إلى تبني أدوات أكثر مرونة وقابلية للتطبيق على حالات محددة بدلًا من سياسات عامة شاملة مثل “اشترِ المنتج الأوروبي”. الهدف من هذه المقاربة هو تقليل المعارضة السياسية داخل الدول الأعضاء، خصوصًا ألمانيا، مع الحفاظ على قدرة الاتحاد على الرد على ما يعتبره ممارسات تجارية غير عادلة.
ضغوط سياسية داخلية وتصاعد اليمين المتطرف
التقرير يربط بين الأزمة الاقتصادية وصعود التيارات السياسية المتشددة في ألمانيا، حيث تستفيد أحزاب اليمين المتطرف من تراجع الثقة في الحكومة ومن المخاوف بشأن فقدان الوظائف ومستوى المعيشة. هذا الواقع يضع مزيدًا من الضغط على الحكومة الألمانية لاتخاذ إجراءات ملموسة لحماية الاقتصاد، وإلا فإنها تواجه خطر فقدان المزيد من الدعم الشعبي. وفي الوقت نفسه، تحاول برلين الموازنة بين هذا الضغط الداخلي وبين الحفاظ على علاقاتها الاقتصادية العالمية، خصوصًا مع الصين والولايات المتحدة.
ماذا يعني هذا التحول لأوروبا؟
يشير التحليل إلى أن الاتحاد الأوروبي يقف أمام لحظة مفصلية في علاقته الاقتصادية مع الصين. فالتوجه نحو تشديد القيود التجارية قد يؤدي إلى إعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية، لكنه في المقابل يحمل مخاطر اندلاع حرب تجارية جديدة قد تزيد من الضغوط على الاقتصاد الأوروبي الضعيف أصلًا. السيناريو الأقرب هو اعتماد سياسة “الرد الانتقائي”، حيث يتم استهداف قطاعات محددة دون الوصول إلى قطيعة شاملة، بينما يستمر التوتر بين حماية الصناعة الأوروبية والحفاظ على الاستقرار التجاري العالمي.



