طبيب أمريكي يراقب الموت من داخل فقاعة عزل بعد هروبه من الكونغو.. وإيبولا يحصد زملاءه واحدًا تلو الآخر

وفقًا لتقرير نشرته صحيفة واشنطن بوست الأمريكية، يعيش الطبيب الأمريكي باتريك لاروشيل واحدة من أكثر اللحظات قسوة في حياته، بعدما وجد نفسه معزولًا داخل غرفة طبية محكمة في العاصمة التشيكية براغ، ينتظر معرفة ما إذا كان قد أُصيب بفيروس إيبولا القاتل، بينما يتلقى في الوقت نفسه أخبار وفاة زملائه وأصدقائه داخل جمهورية الكونغو الديمقراطية.
الطبيب، الذي يعمل مبشرًا وطبيبًا للأطفال والباطنة في مدينة بونيا شرق الكونغو، كان يستعد لمغادرة البلاد برفقة أسرته لقضاء عطلة صيفية في الولايات المتحدة، قبل أن تصله رسالة عبر تطبيق واتساب تخبره بأن المرض الغامض الذي اجتاح المستشفى الذي يعمل فيه لم يكن سوى إيبولا. ومنذ تلك اللحظة، تحولت رحلته العائلية إلى سباق مرعب مع الموت والعزل الصحي والخوف من الإصابة.

القصة تكشف الوجه الإنساني الصادم لتفشي إيبولا في الكونغو، حيث لا يواجه الأطباء المرض فقط، بل يواجهون أيضًا نقص المعدات الطبية والعنف والخوف وانهيار المنظومة الصحية بالكامل.
رسالة واحدة حولت حياته إلى كابوس

قبل دقائق فقط من مغادرته الكونغو، تلقى باتريك لاروشيل رسالة قصيرة غيّرت كل شيء. الرسالة أكدت أن الفيروس الذي حصد عددًا من المرضى داخل المستشفى هو إيبولا، ما جعله يدرك فورًا أنه ربما تعرض للعدوى خلال الأيام الماضية.
الطبيب الأمريكي كان قد تعامل مع عدة مرضى ظهرت عليهم أعراض غامضة، بينهم سيدتان توفيتا لاحقًا، وطفل كان ينزف داخليًا دون أن يتم عزله بشكل صحيح. وفي البداية، لم تكن الاختبارات الطبية تشير إلى إيبولا، لأن المستشفى كان يبحث عن سلالة مختلفة من الفيروس، بينما كانت السلالة النادرة المنتشرة حاليًا هي بونديبوجيو.
ومع اتضاح الحقيقة، بدأ سباق معقد لإجلائه طبيًا من الكونغو، بينما كانت أسرته تستعد لمغادرة البلاد خوفًا من انتقال العدوى.
من مستشفى فقير في الكونغو إلى فقاعة عزل في أوروبا
لاروشيل نُقل على متن رحلة طبية خاصة إلى العاصمة التشيكية براغ، حيث وُضع داخل وحدة عزل متطورة أشبه بفقاعة بلاستيكية ضخمة محاطة بإجراءات حماية مشددة.
ووصف الطبيب غرفته بأنها هيكل بلاستيكي مجهز بفتحات طبية خاصة وقفازات مدمجة للتعامل معه دون تعريض الطواقم الطبية للخطر. كما تحدث عن رحلته الجوية المعقدة التي تضمنت سريرًا طبيًا مغلقًا بالكامل داخل غلاف واقٍ يتم تطهيره باستمرار.
لكن رغم الرعاية الطبية المتقدمة التي يحصل عليها الآن، يؤكد لاروشيل أن أكثر ما يؤلمه هو معرفته بأن زملاءه في الكونغو لا يملكون الحد الأدنى من وسائل الحماية، وأن بعضهم بدأ بالفعل في الموت داخل المستشفى نفسه الذي كانوا يعملون فيه.
زملاؤه يسقطون أمام عينيه

خلال المقابلة الصحفية، تلقى لاروشيل خبر وفاة أحد الأطباء الكونغوليين الذين أشرف بنفسه على تدريبهم، وهو الخبر الذي ترك أثرًا نفسيًا مدمرًا عليه.
وقال الطبيب الأمريكي إنه يشعر بالعجز الكامل وهو يشاهد زملاءه يحاربون المرض دون قفازات كافية أو معدات حماية مناسبة، مضيفًا أن المستشفى الذي كان يعمل فيه أصبح مكتظًا بالمرضى، بينما بدأ العاملون الصحيون أنفسهم يشغلون أسرّة العلاج بعد إصابتهم بالفيروس.
كما أشار إلى أن بعض العاملين تعرضوا للتهديد من أسر المرضى الذين يرفضون تصديق أن ذويهم مصابون بإيبولا، في وقت شهدت فيه مراكز عزل ومخيمات طبية عمليات حرق وهجوم من السكان المحليين.
ويرى مراقبون أن انهيار الثقة بين المواطنين والسلطات الصحية يمثل أحد أخطر العوامل التي تزيد من انتشار المرض داخل الكونغو.
الموت جزء من الحياة هنا

لاروشيل تحدث بصراحة مؤلمة عن الواقع اليومي داخل الكونغو، مؤكدًا أن الموت هناك ليس حدثًا استثنائيًا بل جزءًا من الحياة اليومية.
وأوضح أن أصدقاءه الكونغوليين فقدوا أطفالًا بسبب الملاريا أو الحوادث أو الفقر المدقع، وأن الجنائز أصبحت مشهدًا دائمًا في المنطقة. وأضاف أن حجم المعاناة الإنسانية في الكونغو يصعب على كثير من الأمريكيين أو الأوروبيين تخيله.
كما أشار إلى أن الصراعات المسلحة المنتشرة في شرق الكونغو دفعت عددًا كبيرًا من الأطباء إلى الهرب أو القتل، ما أدى إلى انهيار شديد في القطاع الصحي وجعل مواجهة الأوبئة أكثر تعقيدًا وخطورة.
لماذا عاد إلى الكونغو رغم الخطر؟
هذه ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها لاروشيل لخطر إيبولا، فقد سبق أن تم إجلاؤه طبيًا عام 2018 بعد تعرض مشابه. ورغم ذلك، عاد مجددًا للعمل في الكونغو مع زوجته وأطفاله الثلاثة.
ويقول الطبيب إن ما يقوم به ليس مجرد وظيفة، بل رسالة إنسانية ودينية، موضحًا أنه يريد مساعدة الناس وإظهار أن العالم لم ينسهم رغم الفقر والحروب والمرض.
وأضاف أن أسرته ترى في الحياة داخل الكونغو فرصة لتعليم أطفالهم قيم مختلفة عن الحياة الأمريكية التقليدية، رغم المخاطر الهائلة التي تحيط بهم يوميًا.
العالم يراقب.. لكن الكونغو تقاتل وحدها
قصة باتريك لاروشيل تعكس حجم الفجوة الهائلة بين الأنظمة الصحية في الدول الغنية والدول الفقيرة. ففي الوقت الذي يحصل فيه الطبيب الأمريكي على أحدث تقنيات العزل والرعاية الطبية في أوروبا، يكافح زملاؤه في الكونغو بأدوات بدائية وسط نقص حاد في القفازات والصابون ووسائل الوقاية الأساسية.
كما تكشف الأزمة أن تفشي إيبولا لم يعد مجرد قضية صحية محلية، بل اختبار عالمي لقدرة المجتمع الدولي على التدخل السريع ومنع تحول الأوبئة إلى كوارث إنسانية عابرة للحدود.
ويحذر خبراء من أن استمرار العنف والفقر وضعف الإمكانات الطبية في الكونغو قد يجعل احتواء الوباء أكثر صعوبة خلال الأسابيع المقبلة، خاصة مع تزايد أعداد الإصابات والوفيات بشكل متسارع.



