كيف تُدار المعركة الحقيقية فى مضيق هرمز ؟
لم تعد الأزمة بين واشنطن وطهران مجرد مواجهة عسكرية تقليدية يمكن قياسها بعدد الصواريخ أو حجم الأساطيل ، وإنما أصبحت معركة من نوع آخر ، معركة على تعريف النفوذ نفسه ، وعلى من يملك حق التحكم في شرايين الاقتصاد العالمى .
ففي طهران ، لا يُنظر إلى مضيق هرمز باعتباره ممراً مائياً عابراً ، بل باعتباره بوابة لإعادة تثبيت الدور الإيرانى في الإقليم بعد سنوات من العقوبات والاستنزاف والمواجهات المفتوحة فالإيرانيون يدركون أن الجغرافيا أحياناً تمنح ما لا تمنحه الترسانات العسكرية ، ولذلك تحاول القيادة الإيرانية تحويل موقعها على الضفة الشمالية للمضيق إلى نفوذ سياسى دائم لا يرتبط بالحرب وحدها ، بل بما بعدها أيضاً .
ومن هنا ظهرت الأفكار الجديدة التي تتحدث عن “ تنظيم المرور ” ، و” الممرات الآمنة ” ، و” التنسيق الإلزامى ” داخل الخليج ، وهي كلها عبارات تبدو في ظاهرها فنية أو أمنية ، لكنها في حقيقتها تحمل مضموناً سياسياً بالغ الخطورة : تحويل إيران من طرف يهدد الملاحة إلى طرف يديرها ، ولعل هذا هو التحول الأخطر في المشهد الحالى .
في الأزمات السابقة ، كانت طهران تلوّح دائماً بورقة الإغلاق أو استهداف السفن ، أما الآن فهى تتحرك نحو صيغة أكثر تعقيداً وأبعد أثراً ؛ صيغة تجعل مرور السفن نفسه خاضعاً لقواعد تضعها إيران أو تشارك في فرضها . أي أننا أمام محاولة لإعادة صياغة مفهوم حرية الملاحة في الخليج ، وليس مجرد أزمة عابرة مرتبطة بالحرب .
في المقابل ، تدرك الولايات المتحدة أن القضية تجاوزت حدود المواجهة مع إيران ، فواشنطن تنظر إلى المضيق باعتباره جزءاً من النظام البحرى العالمى الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية ، والقائم على مبدأ أن الممرات الدولية يجب أن تبقى مفتوحة خارج نفوذ القوى الإقليمية .
ولهذا ، فإن القلق الأمريكى الحقيقى لا يتعلق فقط بإيران ، وإنما بالسابقة التي يمكن أن تُصنع هنا ، إذ أن قبول فكرة “ التصاريح ” أو “ الرسوم ” أو “ الإشراف السيادى ” داخل هرمز قد يفتح الباب أمام تكرار النموذج نفسه في مضايق أخرى حول العالم .
المفاوضات التي تجرى عبر الوسطاء المصريين والعمانيين والقطريين والباكستانيين تعكس هذا التعقيد بوضوح ، فالنقاش لم يعد يدور فقط حول وقف إطلاق النار أو خفض التصعيد ، وإنما حول شكل الخليج بعد توقف الحرب ؛ هل يعود المضيق إلى وضعه التقليدى كممر دولى مفتوح ؟ أم يتم تكريس ترتيبات جديدة تمنح إيران دوراً دائماً فى إدارة الأمن البحرى ؟ وهنا تحديداً تكمن العقدة الكبرى .
إيران تعرف أن العالم يحتاج إلى استقرار المضيق أكثر مما تحتاج هى إلى إغلاقه ، ولذلك تستخدم عامل الوقت والضغط الاقتصادى كسلاح تفاوضى بالغ الفاعلية . فكل يوم تتعطل فيه الملاحة ، ترتفع أسعار الطاقة والتأمين والشحن ، وتتزايد الضغوط على الاقتصاد العالمى ، وهو ما يدفع القوى الكبرى إلى البحث عن تسوية بأى ثمن ، لكن واشنطن تخشى أن يتحول أى “ حل مؤقت ” إلى اعتراف دائم يصعب التراجع عنه لاحقاً .
أما الصين ، فتبدو وكأنها تسير فوق حبل مشدود ، فهى تحتاج إلى النفط الخليجى واستقرار التجارة البحرية ، لكنها في الوقت نفسه لا تريد خسارة شراكتها الاستراتيجية مع إيران ، ولهذا ظهرت خلال الأيام الأخيرة مؤشرات على توافق صينى ـ أمريكى غير معلن في رفض تحويل المضيق إلى منطقة رسوم أو تصاريح سيادية ، خوفاً من انتقال العدوى إلى ممرات بحرية أخرى تمثل شرياناً حيوياً للاقتصاد الصينى .

وفي العواصم الخليجية ، يزداد القلق يوماً بعد يوم ، فدول الخليج تخشى أن تنتهى الحرب بتفاهم يمنح طهران نفوذاً بحرياً أوسع داخل الخليج ، بما يغير موازين القوة الإقليمية لسنوات طويلة مقبلة .
الحقيقة أن ما يجرى اليوم في هرمز يتجاوز حدود الخليج نفسه ، نحن أمام اختبار جديد لطبيعة النظام الدولى ؛ هل تبقى الممرات البحرية فضاءات دولية مفتوحة تحكمها قواعد عامة ؟ أم تتحول تدريجياً إلى مناطق نفوذ تديرها القوى القادرة على استغلال الجغرافيا كسلاح سياسى ؟
ولهذا ، فإن الصراع الحقيقى في هذه اللحظة لا يدور حول السفن وحدها ، بل حول من يملك حق تعريف “ حرية الملاحة ” في العالم الجديد .
ولعل أخطر ما كشفته الأزمة الحالية أن القوة العسكرية – مهما بلغت – لا تستطيع وحدها إلغاء تأثير الجغرافيا ، وأن المضايق البحرية عادت مرة أخرى لتصبح أحد أهم مفاتيح إعادة توزيع القوة في العالم .
ولذلك ، فإن ما يحدث في هرمز اليوم قد لا يكون مجرد أزمة عابرة في الخليج ، بل بداية مرحلة جديدة يُعاد فيها رسم خرائط النفوذ الدولى من فوق الممرات البحرية .
ولعل العالم كله ينتظر الآن ليس فقط نهاية الحرب والمفاوضات ، بل شكل العالم الذي سيولد بعدها .
محمد عادل كرمانى – دبلوم العلوم السياسية والعلاقات الدولية كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة ٢٠١٣



