ترامب يحصد “ثمارًا مُرّة”.. مغامرة إيران تكشف وهم انتصار فنزويلا

في قراءة نقدية لواحدة من أكثر قرارات السياسة الخارجية الأمريكية إثارة للجدل، يرى دبلوماسيون أمريكيون سابقون أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد وقع في فخ التقدير الخاطئ عندما اعتبر أن نجاحه في فنزويلا يمكن أن يتكرر بسهولة في إيران. فبينما بدا التدخل في كاراكاس وكأنه انتصار سريع ونظيف، تحوّل المشهد في الشرق الأوسط إلى أزمة معقدة ذات تداعيات عسكرية واقتصادية واسعة. ويؤكد خبراء أن هذا “الوهم الاستراتيجي” يعكس سوء فهم عميق للفوارق الجيوسياسية بين الدول، ويكشف حدود القوة العسكرية حين تُستخدم دون قراءة دقيقة للواقع المحلي والإقليمي، وفقًا لتقرير الجارديان.
نشوة النصر في فنزويلا.. بداية الحسابات الخاطئة
يرى الدبلوماسي الأمريكي السابق John Feeley أن ترامب دخل مغامرة إيران وهو “منتشٍ” بنجاحه في فنزويلا، بعد العملية العسكرية التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي Nicolás Maduro في يناير. هذه العملية، التي نُفذت عبر قوات خاصة أمريكية، أعطت انطباعًا بأن تغيير الأنظمة يمكن أن يتم بسرعة وبتكلفة منخفضة، وهو ما شجّع الإدارة الأمريكية على نقل التجربة إلى ساحة أكثر تعقيدًا.
لكن في الواقع، كانت تلك العملية مليئة بالمخاطر، بحسب فيلي، الذي أشار إلى أن النجاح كان مدفوعًا بعوامل “حظ غير عادية”، وليس فقط بالكفاءة العسكرية. وهو ما جعل الاعتماد عليها كنموذج استراتيجي أمرًا بالغ الخطورة.
إيران ليست فنزويلا.. اختلافات بنيوية عميقة
يحذر خبراء من أن المقارنة بين إيران وفنزويلا تُعد تبسيطًا مخلًا. فالنظام الإيراني، بقيادة Ali Khamenei، يتمتع ببنية مؤسسية متجذرة تمتد لعقود، مع أجهزة أمنية وعسكرية مدربة وأيديولوجيا راسخة، على عكس النظام الفنزويلي الذي وُصف بأنه هش نسبيًا.
هذا الفارق الجوهري جعل من الصعب تكرار سيناريو “الضربة السريعة” في طهران، حيث أظهرت إيران قدرة على امتصاص الضربات والاستمرار دون الانهيار، ما أدى إلى تعقيد المشهد وإطالة أمد الصراع.
رهان على حرب قصيرة.. وواقع مغاير
بحسب فيلي، كان ترامب يتوقع “حربًا صغيرة مذهلة” لا تتجاوز أسبوعين، على غرار ما حدث في فنزويلا. لكن هذا التصور اصطدم بواقع مختلف تمامًا، حيث تحولت العملية إلى صراع مفتوح، خلّف دمارًا واسعًا في الشرق الأوسط وأثرًا سلبيًا على الاقتصاد العالمي.
هذا التقدير الخاطئ يعكس، وفق مراقبين، نمطًا من التفكير السياسي الذي يراهن على القوة العسكرية كحل سريع، دون احتساب كلفة التعقيد الجيوسياسي.
تحذيرات من تكرار الخطأ في كوبا
لم تتوقف المخاوف عند إيران، إذ حذر فيلي من احتمال تكرار نفس الخطأ في كوبا، بعد تصريحات ترامب الأخيرة حول “السيطرة عليها”. ويرى أن الإدارة الأمريكية قد تقع مجددًا في فخ الاعتقاد بأن الأنظمة المختلفة يمكن التعامل معها بنفس الأسلوب.
ويؤكد أن كوبا، مثل إيران، تمتلك تاريخًا طويلًا من الصمود المؤسسي والسياسي، ما يجعل أي تدخل عسكري مباشر محفوفًا بمخاطر كبيرة وغير مضمونة النتائج.
فنزويلا.. النموذج الخادع
من جانبه، يرى الدبلوماسي الأمريكي السابق Thomas Shannon أن فنزويلا أصبحت “النموذج الخطأ” الذي استند إليه ترامب في قراراته اللاحقة. فبينما اعتقد أن استعراض القوة في كاراكاس يمكن أن يتكرر في طهران، تجاهل الفروق العميقة في طبيعة الأنظمة.
ويضيف شانون أن الإدارة الأمريكية ربما كانت تأمل في استبدال القيادة الإيرانية بشخصية موالية، على غرار ما حدث في فنزويلا، لكن هذا السيناريو لم يتحقق، ما كشف حدود هذا النهج.
الانتقام غير المباشر.. حين يُضلل النجاح صانعه
في مفارقة لافتة، يرى فيلي أن استسلام النظام الفنزويلي السريع ربما كان بمثابة “خدعة غير مقصودة”، إذ جعل العملية تبدو سهلة، ما شجّع ترامب على تكرارها في سياق أكثر تعقيدًا.
ويخلص إلى أن هذا النجاح الظاهري قاد إلى واحدة من أكبر الأخطاء الاستراتيجية، حيث تم تطبيق نموذج غير قابل للتكرار على بيئة مختلفة تمامًا، ما أدى إلى نتائج كارثية.



