هدنة تحت النار، صراع لم يُحسم ومصير لم يُكتب بعد
لم تكن الهدنة التي أُعلنت فجأة سوى لحظة التقاط أنفاس، أكثر منها نهاية لصراع اشتعلت نيرانه في قلب الإقليم، وامتدت شظاياه إلى ما هو أبعد من حدوده الجغرافية.
فالحقيقة التي لا تخفى على أحد، أن ما جرى لم يكن مجرد مواجهة عسكرية، بل اختبارًا لإرادات دول كبرى، تقاطعت مصالحها عند نقطة واحدة وهي منع الانفجار الكامل دون إطفاء الحريق.
في هذا المشهد، برز الدور الصيني بوضوح لافت، لم تتحرك بكين بدافع الوساطة المجردة، وإنما انطلقت من حسابات دقيقة؛ إذ تمثل إيران ركيزة أساسية في معادلة الطاقة الصينية. ولأن النفط ليس مجرد سلعة بل شريان حياة، كان لزامًا على الصين أن تضغط بكل أدواتها السياسية والعسكرية لضمان بقاء هذا الشريان مفتوحًا، لا سيما بعد انقطاع النفط الفنزويلي عنها. لم يكن تحركها إذن خيارًا بل ضرورة فرضتها معادلات السوق ومخزوناتها التي أخذت في التآكل مع طول أمد الحرب.
وعلى الضفة الأخرى، وقفت موسكو تراقب وتتحرك في آن واحد، فهي لم تكن في موقع المتفرج ولا تملك رفاهية الحياد. دعمها لإيران لم يكن فقط وفاءً لتحالف، بل جزءًا لا يتجزأ من صراعها الأوسع مع واشنطن، فكل طلقة أُطلقت في هذه الحرب كانت، في حسابات الكرملين، رصيدًا يُخصم من القدرة الأمريكية على الاستمرار في دعم جبهات أخرى، وفي مقدمتها أوكرانيا. وهكذا تداخلت الجبهات واختلطت الأوراق حتى باتت حرب الشرق الأوسط امتدادًا لحروب أخرى تدور في الخفاء.
أما في واشنطن، فقد بدا المشهد أكثر تعقيدًا، فالتصعيد الذي قاده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يكن انعكاسًا لرغبة حقيقية في إطالة أمد الحرب، بقدر ما كان ورقة ضغط تفاوضية. فالإدارة الأمريكية المحاصَرة باعتبارات الداخل – الكونغرس وضغوط الرأي العام الأمريكي – لم تكن تملك رفاهية الانخراط في صراع مفتوح، مما اضطر تلك الإدارة إلى التوجه نحو البحث عن مخرج سريع من الحرب، حتى وإن بدا هذا المخرج هشًا أو مؤقتًا.
غير أن ما تلا إعلان الهدنة كشف عن حقيقة أكثر قتامة، فالقصف الذي طال منشآت حيوية في دول الخليج، والردود المتبادلة، لم يكن خرقًا عابرًا، بل رسالة واضحة مفادها أن كل طرف يسعى لأن يكون صاحب الكلمة الأخيرة، حتى في لحظة الصمت، وهذا ما يُسمى بلعبة تثبيت المواقع قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات.
وعلى هذه الطاولة، لا يبدو الطريق ممهدًا، فالمقترحات المطروحة تعكس فجوة عميقة بين رؤيتين متناقضتين؛ إيران التي تتحدث من موقع الصمود، وتطالب برفع العقوبات وتثبيت نفوذها الإقليمي، والولايات المتحدة التي تسعى لفرض معادلة جديدة تُقيد هذا النفوذ. وبين الطرفين تتراكم نقاط الخلاف، لا لتُحل سريعًا، بل لتُدار ضمن مفاوضات طويلة قد تتحول إلى سلسلة من الصفقات المرحلية.
وفي خلفية المشهد، يظل موقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حاسمًا في معادلة عدم الاستقرار، فالحرب في رؤيته لم تكن هدفًا في ذاتها، بل وسيلة لإعادة تشكيل الإقليم. لكن حسابات الميدان وصمود الإيرانيين فرضت عليه القبول بهدنة لا تعني نهاية المعركة، بل إعادة ترتيب الصفوف استعدادًا لجولة جديدة من جولات الصراع.
وهكذا تبدو الهدنة أقرب إلى هدنة الضرورة لا هدنة الحل، فالأطراف الفاعلة لم تجتمع كلها على طاولة واحدة، بل تُركت قوى إقليمية كاملة خارج معادلة التفاوض، الأمر الذي يفتح الباب أمام صراعات موازية قد تستمر حتى لو تم التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران.
إن أخطر ما في المشهد الحالي، أن الحرب لم تنتهِ بعد، بل تغير شكلها، إذ انتقلت من ميادين القتال إلى غرف التفاوض، ومن صخب الصواريخ إلى هدوء الصفقات. وبين هذا وذاك، يبقى الإقليم العربي معلقًا بين أمل مؤجل وواقع يزداد قسوة، فالهدنة – مهما طالت – لن تكون نهاية الطريق، بل مجرد فاصلة في جملة لم تكتمل بعد.



