أبل تواجه أخطر أزمة منذ عصر ستيف جوبز.. هل ينقذ الرئيس الجديد الشركة من السقوط في سباق الذكاء الاصطناعي؟
وفقًا لتقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز البريطانية، تدخل شركة Apple مرحلة مفصلية قد تحدد مستقبلها لعقود مقبلة، بعد اعترافات داخلية تكشف عن أزمة ابتكار حقيقية تهدد عملاق التكنولوجيا الأمريكي في عصر الذكاء الاصطناعي. ومع اقتراب تولي جون تيرنوس منصب الرئيس التنفيذي خلفًا لـ Tim Cook في سبتمبر المقبل، تتصاعد التساؤلات حول قدرة الشركة التي غيرت العالم عبر أجهزة مثل الآيفون والآيباد على استعادة روح الابتكار التي اشتهرت بها في عهد مؤسسها الأسطوري Steve Jobs.
التقرير كشف تفاصيل صادمة عن فشل مشروع تطوير نسخة ثورية من المساعد الصوتي سيري تعمل بالذكاء الاصطناعي، وهو المشروع الذي اعتبره مسؤولون داخل الشركة معركة حياة أو موت بالنسبة لأبل. الفشل لم يؤد فقط إلى تسوية قضائية بمئات الملايين، بل تسبب أيضًا في رحيل قيادات بارزة داخل قسم الذكاء الاصطناعي، ما فتح الباب أمام مخاوف من أن الشركة أصبحت متأخرة عن منافسيها في أهم سباق تكنولوجي يشهده العالم حاليًا.

وفي وقت تتوسع فيه شركات مثل OpenAI وGoogle وMeta بسرعة هائلة في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، تبدو أبل مطالبة بإعادة اكتشاف نفسها قبل أن تفقد مكانتها التاريخية في السوق العالمية.
سيري تتحول من حلم ثوري إلى أزمة داخل أبل

داخل مقر الشركة في كاليفورنيا، كان مهندسو أبل يعملون تحت ضغط هائل لتطوير نسخة جديدة من سيري قادرة على تنفيذ الأوامر بذكاء يشبه البشر، في محاولة لمنافسة الطفرة التي أحدثتها تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحديثة.
لكن وفقًا للتقرير، المشروع واجه إخفاقات متكررة، لدرجة أن مدير البرمجيات في الشركة كريج فيديريجي أعد قائمة بالأوامر التي فشل النظام في تنفيذها، وسط حالة ذعر داخلية. أحد المسؤولين وصف المشروع باسم النهاية، في إشارة إلى أن فشله قد يعني نهاية قدرة أبل على المنافسة في عصر الذكاء الاصطناعي.
وفي النهاية، تسبب التعثر في تسوية قضائية ضخمة بسبب اتهامات بالتضليل الإعلاني، إضافة إلى رحيل عدد من أبرز قيادات الذكاء الاصطناعي داخل الشركة، وهو ما اعتبره كثيرون دليلًا على عمق الأزمة التقنية التي تواجهها أبل حاليًا.
من شركة تصنع المستقبل إلى شركة تعتمد على الآيفون
التقرير يشير إلى أن أبل تحولت خلال السنوات الأخيرة من شركة تقود الثورات التقنية إلى شركة تعتمد بشكل أساسي على تحسينات تدريجية لجهاز الآيفون الذي أطلقته قبل نحو عقدين.
ورغم أن الشركة تحقق أرباحًا هائلة وتتجاوز قيمتها السوقية تريليونات الدولارات، فإن جزءًا كبيرًا من إيراداتها ما زال يعتمد على الآيفون ومتجر التطبيقات والخدمات المرتبطة به.
ويرى محللون أن المشكلة الحقيقية ليست في الأرباح الحالية، بل في غياب المنتج الثوري الجديد القادر على تغيير شكل السوق كما فعل الآيفون سابقًا. فمنتجات مثل النظارة الذكية أو السيارة الكهربائية لم تحقق النجاح المنتظر، بينما بدأت دورة تحديث الهواتف تطول مع تراجع حماس المستهلكين لشراء أجهزة جديدة كل عام.
جون تيرنوس.. الرجل الذي تراهن عليه أبل
الرئيس التنفيذي الجديد جون تيرنوس يعد واحدًا من آخر المهندسين الذين عاشوا عصر الابتكار الذهبي داخل أبل خلال فترة ستيف جوبز. وشارك في تطوير عدد من أشهر أجهزة الشركة، أبرزها تصميم أجهزة آي ماك المعدنية التي شكلت نقلة نوعية في عالم الحواسيب.
ويصفه زملاؤه السابقون بأنه يمتلك قدرة استثنائية على فهم التفاصيل التقنية وربطها بالرؤية الشاملة للشركة، وهو ما جعل كثيرين داخل أبل يرونه الشخص الأنسب لإعادة إحياء ثقافة الابتكار القديمة.
ويأمل المستثمرون أن يعيد تيرنوس تركيز الشركة على تطوير منتجات جديدة جريئة بدل الاكتفاء بتحسين الأجهزة الحالية تدريجيًا، خاصة مع توجه أبل نحو أجهزة تعتمد بالكامل على الذكاء الاصطناعي.
الذكاء الاصطناعي يهدد نموذج أبل التقليدي
أحد أخطر التحديات التي تواجه أبل يتمثل في أن الذكاء الاصطناعي قد يدمر النموذج الاقتصادي الذي بنت عليه الشركة نجاحها لعقود.
فإذا أصبحت المساعدات الصوتية الذكية قادرة على تنفيذ المهام مباشرة دون الحاجة إلى التطبيقات التقليدية، فقد يفقد متجر تطبيقات أبل أهميته تدريجيًا، وهو القطاع الذي يحقق للشركة مليارات الدولارات سنويًا من العمولات.
كما أن اعتماد أبل على حماية الخصوصية وتقليل جمع البيانات جعلها متأخرة نسبيًا في تطوير نماذج ذكاء اصطناعي متقدمة مقارنة بمنافسيها الذين يعتمدون على كميات ضخمة من بيانات المستخدمين لتدريب أنظمتهم.
ولهذا اضطرت الشركة مؤخرًا للتعاون مع Google واستخدام تقنيات جيميني لدعم بعض مزايا الذكاء الاصطناعي، في خطوة اعتبرها البعض اعترافًا ضمنيًا بتراجع قدراتها الذاتية في هذا المجال.
منافسون جدد يهددون عرش أبل
الخطر لم يعد يقتصر على شركات الهواتف التقليدية، بل ظهرت موجة جديدة من المنافسين الذين يحاولون بناء أجهزة تعتمد بالكامل على الذكاء الاصطناعي.
شركات مثل OpenAI وMeta تعمل حاليًا على تطوير أجهزة ذكية جديدة قد تغير طريقة تفاعل البشر مع التكنولوجيا، تمامًا كما فعل الآيفون قبل سنوات.
ويرى خبراء أن أبل تواجه لأول مرة خطر فقدان السيطرة على النظام البيئي الذي بنته حول أجهزتها وخدماتها، خاصة إذا نجحت تقنيات الذكاء الاصطناعي الجديدة في تجاوز فكرة التطبيقات التقليدية والشاشات الحالية.
هل تعود روح ستيف جوبز إلى أبل؟
داخل الشركة، هناك آمال كبيرة بأن يعيد جون تيرنوس إحياء ثقافة الحلم المجنون التي ميزت أبل في بداياتها، حين كانت تراهن على منتجات تبدو مستحيلة قبل أن تغير العالم بالكامل.
لكن المهمة لن تكون سهلة، فالشركة أصبحت أكثر بيروقراطية وأقل مرونة مقارنة بفترة ستيف جوبز، كما أن المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي تتحرك بسرعة غير مسبوقة.
ومع ذلك، يرى محللون أن أبل ما تزال تمتلك عناصر قوة ضخمة، أبرزها قاعدة مستخدمين هائلة، وقدرات مالية عملاقة، وخبرة فريدة في دمج الأجهزة بالبرمجيات بشكل سلس.
ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع أبل تقديم لحظة ثورية جديدة تعيد إشعال شغف المستخدمين حول العالم، أم أن عصر الهيمنة التاريخية للشركة بدأ يقترب من نهايته؟



