أربع سنوات غيّرت روسيا.. كيف أعادت حرب أوكرانيا تشكيل الحياة اليومية؟

روسيا لم تعد كما كانت قبل فبراير 2022. بعد أربع سنوات من الحرب في أوكرانيا، تبدلت ملامح الحياة اليومية في المدن الروسية من موسكو إلى يكاترينبورغ. لا توجد مؤشرات على انهيار سياسي أو اقتصادي وشيك، لكن آثار الحرب تتسلل إلى تفاصيل العيش العادي: من إشارات الملاحة المعطلة، إلى إغلاق المطارات، ومن موجة مصادرات الأصول، إلى تغيرات عميقة في سوق العمل والقيم الاجتماعية. إنها حرب لا تدور فقط على الجبهة، بل داخل المجتمع نفسه.
مدن تحت الظل العسكري.. تشويش ومطارات مغلقة
في موسكو ومدن كبرى أخرى، أصبحت أنظمة الدفاع الجوي جزءًا من المشهد الحضري. هذه الأنظمة، المصممة للتصدي للطائرات المسيّرة، تتسبب في تشويش إشارات الملاحة، ما يجعل التطبيقات تعتقد أن السيارة تبعد عشرات الكيلومترات عن موقعها الفعلي. السائقون باتوا يعتمدون على الخرائط الورقية أو التخطيط المسبق للطرق.
قطاع الطيران يواجه تحديات أكبر. أكثر من 500 إغلاق مؤقت للمطارات سُجّل خلال عام واحد، في ظل مخاوف أمنية ونقص قطع الغيار لطائرات مستوردة بسبب العقوبات الغربية. الأعطال تضاعفت ثلاث مرات، فيما تلجأ بعض الشركات لإعادة تأهيل الطائرات الروسية القديمة التي لا تخلو هي الأخرى من المشكلات التقنية.
اقتصاد صامد ظاهريًا.. لكنه تغيّر جذريًا
رغم العقوبات، أظهر الاقتصاد الروسي قدرة على الصمود مدفوعًا بعائدات النفط والإنفاق الحكومي الكبير. معدلات البطالة عند نحو 2%، وثقة المستهلك لا تزال مرتفعة نسبيًا.
لكن الصورة الكلية تخفي تحولات عميقة. النمو في 2023 و2024 اعتمد بشكل كبير على الإنفاق العسكري والبنية التحتية المدعومة من الدولة. مدن صناعات السلاح مثل إيجيفسك، مقر مجموعة كلاشنيكوف، تشهد ازدهارًا عقاريًا ومطاعم جديدة. في المقابل، قطاعات مدنية عديدة تعاني ركودًا، وتراجعت وتيرة تأسيس الشركات الجديدة إلى أدنى مستوى منذ 14 عامًا.
موجة مصادرات تعيد رسم خريطة الملكية
منذ بداية الحرب، توسعت عمليات مصادرة الأصول. في البداية استهدفت الشركات الأجنبية المنسحبة، ثم امتدت إلى رجال أعمال روس. أكثر من 500 شركة صودرت أصولها خلال أربع سنوات، تشمل فنادق ومصانع ومراكز تجارية.
أحد أبرز الأمثلة كان مصادرة مطار دوموديدوفو في موسكو وبيعه بأقل من قيمته السوقية. هذه السياسة خلقت مناخًا من عدم اليقين لدى المستثمرين المحليين. كما يقول أحد رجال الأعمال: “لماذا أستثمر إذا كان يمكن أن يُنتزع مني غدًا؟”.
مجتمع يتبدل.. عنف وتبرير ديني للحرب
الحرب أثّرت أيضًا على النظام القضائي والنسيج الاجتماعي. آلاف القضايا الجنائية جُمّدت أو أُسقطت بحق متهمين التحقوا بالجيش. بعض العائدين من الجبهة تورطوا في جرائم عنف داخل البلاد.
الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، بقيادة البطريرك كيريل، وصفت الحرب بأنها “مقدسة”، وأرسلت مئات الكهنة إلى الجبهة، بل ومنحت بعدًا روحيًا للتضحية في المعارك. في المقابل، تعرض معارضون للحرب للملاحقة والغرامات.
أزمة تجنيد وتآكل الحوافز
رغم المكافآت المالية الكبيرة، بات التجنيد أكثر صعوبة. كثير من الجنود اكتشفوا أن عقودهم يمكن تمديدها حتى نهاية الحرب بقرار رئاسي. التضخم المرتفع وتكاليف الرشاوى لتجنب أخطر المهام قلّصت المكاسب المتوقعة.
سخط عائلات المجندين يتزايد، مع شكاوى من ارتفاع الأسعار والضرائب والغرامات. تقديرات غير رسمية تشير إلى خسائر بشرية مرتفعة، فيما تتكتم السلطات على البيانات الديموغرافية، وأُجّلت الإحصاءات السكانية حتى 2029.
ديموغرافيا مقلقة.. ومجتمع أكثر كآبة
معدل الخصوبة انخفض إلى نحو 1.3 طفل لكل امرأة، وهو من أدنى المستويات منذ 2006. البرلمان حظر الترويج لعدم الإنجاب، وبعض المناطق شددت قيود الإجهاض. بالتوازي، ارتفعت معدلات القلق والاكتئاب، وزادت وصفات مضادات الاكتئاب بشكل ملحوظ.
كثير من الروس كانوا يأملون أن يؤدي تغير سياسي خارجي إلى إنهاء الحرب سريعًا، لكن هذا التفاؤل تلاشى. استطلاعات الرأي تظهر أن غالبية المواطنين يريدون نهاية الحرب، لكن كثيرين يحاولون تجاهل تطوراتها، كما لو كانوا ركاب حافلة يتجنبون النظر إلى جندي بزي مموّه.









