أمل عادل تكتب: لغز الأسعار في مصر.. لماذا لا يري المواطن الإصلاح الاقتصادي في بيته ؟

بينما تخرج التقارير الرسمية لتطمئن الناس باستقرار سعر الصرف وتوافر الدولار ، يصطدم المواطن بواقع مختلف تماماً بمجرد دخوله الأسواق. ومن وسط هذا التناقض يظهر سؤال محير يشغل كل بيت في مصر: إذا كان الاقتصاد يتعافى فعلاً، فلماذا لا تزال أسعار السلع الأساسية تلتهم الرواتب وتستنزف المدخرات؟
فجوة الوقت.. بين الأرقام الرسمية ومعاناة الواقع
الحقائق الاقتصادية تخبرنا أن هناك مسافة زمنية كبيرة بين تحسن المؤشرات وبين ما يدفعه الناس فعلياً. فالنمو الذي تتحدث عنه الحكومة ينتج غالباً عن مشروعات كبرى في الطرق والكباري أو قطاعات الصناعة، وهي استثمارات ضخمة تحتاج وقتاً طويلاً حتى يظهر أثرها في طبق الطعام وتؤدي لخفض تكلفة المعيشة.
وفي الوقت نفسه، نجد أن الغذاء والكهرباء والوقود يستهلكون وحدهم نصف دخل الأسرة المصرية، مما يجعل أي زيادة بسيطة في أسعار الحبوب أو النفط عالمياً تظهر آثارها فوراً كصدمة مباشرة تضرب الأسواق المحلية دون تأخير.

فاتورة الاستيراد وأزمة كثرة الوسطاء
لا تزال مصر تعتمد بشكل جزئي على استيراد سلع ضرورية مثل القمح والزيوت، وهذا يجعل أسعار طعامنا مرتبطة بتقلبات السوق العالمي وتكاليف الشحن. بالإضافة إلى ذلك، تعاني سلاسل التوزيع الداخلية من مشاكل تجعل الفوارق السعرية بين المزارع والمستهلك النهائي كبيرة جداً، والسبب هو كثرة الوسطاء الذين يرفعون الثمن في كل مرحلة، مما يتطلب تدخلاً قوياً لتنظيم هذه العملية.
تضخم الخوف.. حين يسبق القلق الواقع
تظهر أيضاً مشكلة تسمى التضخم الذاتي، وهي ناتجة عن عامل نفسي، حيث يقوم بعض المنتجين والتجار برفع الأسعار كخطوة احترازية بمجرد توقعهم لأي زيادة مستقبلية في التكاليف. هذا الخوف الزائد، مع لجوء الناس لتخزين السلع خوفاً من الغلاء، يخلق ضغطاً وهمياً يرفع الأسعار فعلياً دون وجود سبب اقتصادي حقيقي يبرر ذلك في حينه.
الأجور في سباق خاسر أمام الغلاء
جوهر المعاناة يكمن في أن سرعة زيادة الرواتب لا تلاحق القفزات المتتالية في أسعار السلع والخدمات. فحين يرتفع الدخل بنسبة بسيطة مقابل غلاء يفوقه بكثير، تضعف القوة الشرائية للمواطن، ويظل يشعر بضيق المعيشة مهما كانت لغة الأرقام الرسمية متفائلة وتعد بالتحسن.

خطوات نحو استقرار حقيقي يشعر به الجميع
لتحويل هذه الأرقام الإيجابية إلى واقع يغير حياة الناس للأفضل، يجب التحرك في خطوات واضحة:
تعزيز الإنتاج المحلي: تقليل الاعتماد على الخارج في السلع الأساسية هو الحل الوحيد لاستقرار الأسعار.
تقصير مسافات التوزيع: تقليل عدد الوسطاء لضمان وصول السلعة من الأرض للبيت بسعر عادل.
حماية الرواتب: ربط الأجور بمعدلات الغلاء لضمان حياة كريمة للفئات الأكثر تأثراً.
الوضوح والشفافية: توفير معلومات دقيقة للسوق لتهدئة المخاوف التي تدفع التجار لرفع الأسعار احتياطياً.
في نهايه القول ، إن الاقتصاد المصري يمر بمرحلة انتقالية دقيقة، وحل مشكلة الغلاء يحتاج لتنسيق يتجاوز مجرد قرارات البنوك، ليصل إلى إصلاحات حقيقية تلمس حياة المواطن اليومية، حتى تتحول الأرقام الإيجابية من سطور التقارير إلى واقع يعيشه كل مصري في بيته ومحفظته.



