الجارديان: حرب ترامب على إيران امتداد لعداء تاريخي طويل
بالنسبة لملايين الأميركيين الشباب، قد يبدو التصعيد المفاجئ مع إيران وكأنه حدث طارئ وغير متوقع. لكن للأجيال الأكبر سنًا، فإن إعلان دونالد ترامب شن ضربات عسكرية على إيران يبدو امتدادًا لمسار طويل من العداء المتراكم منذ عقود.
اسم العملية العسكرية، “الغضب الملحمي”، يعكس عمق المشاعر المتبادلة بين البلدين. فالتوتر بين الولايات المتحدة وإيران ليس وليد اللحظة، بل يعود إلى ما يقارب نصف قرن، وتحديدًا منذ الثورة الإسلامية عام 1979 التي أطاحت بحكم الشاه محمد رضا بهلوي، وأقامت نظامًا دينيًا بقيادة آية الله روح الله الخميني.
أزمة الرهائن: الجرح المفتوح
احتلال السفارة الأميركية في طهران عام 1979 واحتجاز 52 دبلوماسيًا أميركيًا لمدة 444 يومًا شكّل صدمة كبرى للرأي العام الأميركي، وأدى إلى إضعاف مكانة الولايات المتحدة دوليًا، وأسهم في خسارة الرئيس جيمي كارتر الانتخابات أمام رونالد ريغان عام 1980.
محاولة كارتر الفاشلة لتحرير الرهائن، التي انتهت بمقتل ثمانية جنود أميركيين في الصحراء الإيرانية، زادت من الشعور بالإهانة الوطنية. ولم يُفرج عن الرهائن إلا بعد مغادرة كارتر منصبه مباشرة.
فضيحة إيران–كونترا
في ثمانينيات القرن الماضي، تكرّست إيران كعنصر محوري في السياسة الخارجية الأميركية. فقد كشفت لاحقًا صفقة سرية تم بموجبها تزويد إيران بأسلحة مقابل إطلاق رهائن أميركيين في لبنان، مع تحويل عائدات الصفقة لدعم متمردين في نيكاراغوا، في خرق للقانون الأميركي. عُرفت هذه القضية بفضيحة “إيران–كونترا”، وكادت أن تنهي رئاسة ريغان.
جذور أعمق: انقلاب 1953
لكن جذور العداء تعود إلى ما قبل الثورة الإسلامية. ففي عام 1953، دعمت الولايات المتحدة وبريطانيا انقلابًا أطاح برئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق بعد قراره تأميم النفط. أعاد الانقلاب الشاه إلى الحكم وعزز سلطته المطلقة، وهو ما ترك أثرًا عميقًا في الذاكرة السياسية الإيرانية، ورسّخ صورة واشنطن كقوة متدخلة في شؤون البلاد.
بين الماضي والحاضر
اليوم، ومع دعوات ترامب العلنية إلى “تغيير النظام”، يبدو أن واشنطن تعود إلى قلب المشهد الإيراني بشكل مباشر. ويأتي ذلك في وقت يشهد فيه الداخل الإيراني اضطرابات واحتجاجات، وسط ضعف اقتصادي وضغوط دولية متزايدة.
المفارقة أن بعض المحتجين الإيرانيين رفعوا شعارات مؤيدة لعودة نجل الشاه، رضا بهلوي، فيما يتمسك النظام الحالي بخطاب “الموت لأميركا” باعتباره جزءًا من هويته الأيديولوجية.
ورغم أن قطاعات واسعة من الإيرانيين تطالب بالتغيير، فإن النظام أظهر استعدادًا لاستخدام القوة المفرطة للحفاظ على بقائه، ما يجعل مسألة “تغيير النظام” أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه.
في المحصلة، ما يحدث اليوم ليس صراعًا عابرًا، بل فصل جديد في تاريخ طويل من الشكوك والمرارات المتبادلة، حيث تتقاطع الذاكرة التاريخية مع الحسابات السياسية الراهنة، وسط ضباب كثيف قد يحجب مآلات المرحلة المقبلة.



