أمريكا تفرض على أوكرانيا “خطة سلام” فوضوية ومهينة… وزيلينسكي عالق هو ضغط واشنطن وتهديد موسكو

في 20 نوفمبر، وصل وفد من البنتاغون إلى كييف حاملًا وثيقة سياسية تعد الأكثر إثارة للجدل منذ بداية الحرب. “خطة السلام” التي جرى إعدادها بسرية بين مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ستيف ويتكوف، ونظيره الروسي كيريل ديميترييف، طُرحت على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي باعتبارها مسارًا يجب دفعه “بشكل عدواني” وقد يُجبر على توقيعها قبل عيد الشكر في 27 نوفمبر.
حتى اللحظة، لا أحد في كييف أو العواصم الأوروبية يعرف بدقة ما إذا كانت الوثيقة خطة كاملة، أم مجرد مخطط أولي. إلا أن تسريبات عديدة تؤكد أنها مزيج من الرؤى الروسية والأمريكية — مع ميل واضح لصالح موسكو. مصدر رفيع قريب من الكرملين وصف بعض بنود الوثيقة بأنها “سخيفة”، لكنه أشار إلى أنها “ستنال رضا” القيادة الروسية على الأرجح.
مكاسب ضخمة لروسيا… وخسائر موجعة لأوكرانيا
تقترح الوثيقة إغراءات كبرى لروسيا، من بينها:
رفع شامل للعقوبات الغربية.
إعادة موسكو إلى مجموعة G8.
اعتراف فعلي بسيطرتها على الأراضي المحتلة.
منحها أجزاء محصّنة من دونباس فشلت في السيطرة عليها منذ 11 عامًا.
وفي المقابل، تأتي البنود الخاصة بأوكرانيا أشبه بـ“العقاب”:
تقليص الجيش إلى 600 ألف جندي (أقل بـ25% من حجمه الحالي).
إعلان الحياد الدائم ومنع الانضمام إلى الناتو.
حظر وجود قوات غربية على الأراضي الأوكرانية.
توجيه جزء من الأصول الروسية المجمّدة — المخصّصة للتعويضات — إلى صندوق مشترك أمريكي-روسي.
منح روسيا مزايا اقتصادية ضخمة دون فرض أي قيود على قدراتها العسكرية.
مسؤول أوكراني بارز شبّه الخطة بأنها “نسخة أسوأ من اتفاق إسطنبول 2022”، الذي كان يمنح روسيا أراضي أقل.
وعود أمنية بلا قيمة
أضيف بند جديد يقضي بتقديم ضمان أمني “مشابه للمادة الخامسة” في الناتو إذا تعرّضت أوكرانيا لهجوم مستقبلي. ولكن معظم الأوكرانيين لا يثقون بأن ترامب سينفذ هذا الوعد، خاصة بعد ابتزازات وتهديدات متكررة مارسها ضد كييف خلال الأشهر الماضية.
بل إن مسؤولين أمريكيين لمحوا صراحة يوم 21 نوفمبر إلى احتمال قطع إمدادات المعلومات الاستخباراتية الحيوية إذا رفضت أوكرانيا قبول الخطة — ما يعزز شعور كييف بأنها تُدفع نحو زاوية لا فكاك منها.
خطة غير واقعية… وإمكانية تفجّر احتجاجات
الخطة تطلب من أوكرانيا إجراء انتخابات عامة خلال 100 يوم فقط من التوقيع — وهو مطلب شبه مستحيل في ظل حرب مفتوحة وأزمة داخلية. قبول زيلينسكي بالخطة قد يعني نهاية حياته السياسية خلال أسابيع، وقد يشعل احتجاجات شعبية واسعة.
يرى مراقبون أن هذا قد يكون جزءًا من حسابات موسكو: الدفع بأوكرانيا نحو اضطراب داخلي يمنح روسيا مكاسب إضافية دون قتال.
واشنطن تضغط… وأوروبا تُقصى من المعادلة
من الواضح أن التوقيت لصالح الضغط الأمريكي؛ فزيلينسكي يواجه أكبر فضيحة فساد في البلاد منذ بداية الغزو الروسي عام 2022 — فضيحة اختلاس وغسل أموال بقيمة 100 مليون دولار داخل شركة الطاقة النووية الحكومية Energoatom، ما جعل كبار معاونيه عرضة للابتزاز السياسي.
أما أوروبا، فبدا أنها “صُدمت” من الخطة؛ إذ جرى إعدادها دون استشارتها، وكل ما يُطلب منها الآن هو تمويل إعادة إعمار تتجاوز 100 مليار دولار، بينما تحصل أمريكا وروسيا على النفوذ الأكبر والعوائد الاقتصادية.
أحد البنود يشير إلى أن أمريكا تريد حصة من أرباح استثمارات إعادة الإعمار، إضافة إلى دور مباشر في إدارة البنية التحتية للغاز الأوكراني — وهي نقاط تثير غضب بروكسل.
زيلينسكي بين المطرقة والسندان
حتى الآن، يتعامل زيلينسكي بحذر، واصفًا الوثيقة بأنها مجرد “رؤية أولية” قابلة للتعديل. لكنه يواجه معضلة قاسية: رفض الخطة قد يكلّفه الدعم الأمريكي الحاسم، بينما قبولها قد يكلّفه ثقة شعبه وربما استقرار بلاده.
الوضع العسكري يزيد الضغط؛ الجبهة تتحرك بسرعة غير مسبوقة منذ عامين، الجيش يعاني نقصًا حادًا في المشاة والطائرات المسيّرة الروسية تغطي الخطوط الأمامية بكثافة. وعلى مستوى الداخل، شبكة الطاقة مشرذمة والشتاء يطرق الأبواب.
كما قال مصدر استخباراتي أوكراني:
“نحن نصمد بالكاد اليوم… بعد شهرين قد تتغير المعادلة بالكامل — والخطة لن تتحسن بل ستزداد سوءًا.”



