ممر ترامب يفجر صراع النفوذ في القوقاز واشنطن تقترب من حدود روسيا وإيران

وفقًا لتقرير نشره موقع ذا كرادل، تتجه منطقة جنوب القوقاز إلى مرحلة جديدة من التنافس الجيوسياسي الحاد بعد توقيع الولايات المتحدة وأرمينيا سلسلة اتفاقيات استراتيجية غير مسبوقة، أبرزها مشروع ممر ترامب للسلام والازدهار الدولي، الذي يربط أذربيجان بإقليم ناخيتشيفان عبر الأراضي الأرمنية. وتأتي هذه الخطوة قبل أيام من الانتخابات البرلمانية الحاسمة في أرمينيا، وسط دعم أمريكي واضح لرئيس الوزراء نيكول باشينيان وحكومته. ويرى مراقبون أن المشروع لا يقتصر على كونه ممرًا اقتصاديًا أو لوجستيًا، بل يمثل محاولة أمريكية لتوسيع نفوذها في منطقة تعد تقليديًا جزءًا من المجال الحيوي لكل من روسيا وإيران. وفي ظل التحولات السياسية المتسارعة في يريفان، تزداد المخاوف من أن يتحول المشروع إلى نقطة اشتعال جديدة بين القوى الكبرى المتنافسة على النفوذ في القوقاز.
واشنطن تدخل بقوة على خط الانتخابات الأرمنية
جاءت زيارة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى العاصمة الأرمينية يريفان قبل أقل من أسبوعين على الانتخابات البرلمانية لتبعث برسالة سياسية واضحة. فالزيارة القصيرة التي استمرت نحو ساعة فقط شهدت توقيع ثلاث اتفاقيات استراتيجية كبرى، في خطوة اعتبرها كثيرون دعمًا مباشرًا لحكومة باشينيان التي تتبنى سياسة تقارب متزايدة مع الغرب.

وخلال السنوات الأخيرة، عملت أرمينيا على تقليص اعتمادها على المؤسسات التي تقودها موسكو، بما في ذلك منظمة معاهدة الأمن الجماعي والاتحاد الاقتصادي الأوراسي، بالتوازي مع تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي. ويعكس هذا التحول رغبة أرمينية في إعادة صياغة موقعها الإقليمي بعيدًا عن الهيمنة الروسية التقليدية.
ممر ترامب مشروع اقتصادي أم تحول استراتيجي
يعد مشروع ممر ترامب للسلام والازدهار الدولي أبرز نتائج الاتفاقيات الجديدة. ويستند المشروع إلى اتفاق السلام الذي وقعته أرمينيا وأذربيجان برعاية أمريكية في البيت الأبيض خلال عام 2025، والذي أعاد إحياء فكرة الربط البري بين أذربيجان وإقليم ناخيتشيفان عبر الأراضي الأرمنية.
لكن اللافت أن المشروع لم يعتمد التسمية الأذرية المعروفة باسم ممر زنغزور ولا الرؤية الأرمينية المسماة مفترق طرق السلام، بل حمل اسمًا جديدًا يرتبط مباشرة بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ويرى محللون أن اختيار الاسم يعكس محاولة أمريكية واضحة لوضع بصمتها السياسية والاستراتيجية على أحد أهم المشاريع الجيوسياسية في المنطقة.
سيطرة أمريكية واسعة على المشروع
تنص الاتفاقية على إنشاء شركة تطوير مشتركة تتولى إدارة المشروع، مع امتلاك جهات أمريكية مرتبطة بمؤسسة التمويل والتنمية الدولية الأمريكية حصة تبلغ 74 بالمئة من أسهم الشركة، مقابل 26 بالمئة فقط لأرمينيا.
كما تمنح الاتفاقية الشركة المشتركة حقوق استخدام وتطوير الأراضي الواقعة ضمن نطاق المشروع لمدة تصل إلى 49 عامًا قابلة للتمديد خمسين عامًا إضافية. ورغم تأكيد الاتفاقية احتفاظ أرمينيا بسيادتها القانونية على أراضيها، فإن حجم النفوذ الاقتصادي والإداري الأمريكي المتوقع أثار تساؤلات واسعة بشأن التداعيات المستقبلية لهذا الترتيب طويل الأمد.
روسيا وإيران تراقبان بقلق متزايد
يمثل المشروع تحديًا مباشرًا لمصالح روسيا وإيران اللتين تعتبران جنوب القوقاز منطقة حيوية لأمنهما القومي. فموسكو تنظر بقلق إلى تراجع نفوذها داخل أرمينيا، الحليف التقليدي لها، بينما تخشى طهران من أن يؤدي المشروع إلى تغيير موازين القوى الإقليمية وتقليص دورها في شبكات النقل والتجارة العابرة للمنطقة.
ويعتقد خبراء أن نجاح المشروع قد يفتح الباب أمام حضور أمريكي طويل الأمد في منطقة تقع على حدود روسيا الشمالية وإيران الشمالية الغربية، ما قد يدفع البلدين إلى اتخاذ خطوات سياسية أو اقتصادية أو حتى أمنية للحفاظ على نفوذهما التقليدي.
الانتخابات الأرمنية قد تحدد مصير المشروع
رغم الزخم السياسي المحيط بالاتفاقيات الجديدة، فإن تنفيذها ما زال مرتبطًا بنتائج الانتخابات البرلمانية المرتقبة. فحزب العقد المدني الحاكم بقيادة باشينيان يواجه منافسة قوية من قوى قومية ومحافظة تنتقد سياساته تجاه إقليم ناغورنو كاراباخ وتتبنى مواقف أكثر تشددًا تجاه أذربيجان وتركيا.
وتحافظ هذه القوى على علاقات أوثق مع موسكو وطهران مقارنة بالحكومة الحالية، ما يعني أن أي تغيير في المشهد السياسي قد يؤدي إلى إعادة النظر في الاتفاقيات الموقعة أو إبطاء تنفيذها بشكل كبير.
ماذا يعني هذا التطور وما السيناريو المتوقع
تكشف اتفاقيات أرمينيا والولايات المتحدة عن مرحلة جديدة من إعادة رسم التوازنات في جنوب القوقاز. فالمنطقة لم تعد مجرد ساحة نزاع بين أرمينيا وأذربيجان، بل أصبحت ميدانًا للتنافس بين الولايات المتحدة وروسيا وإيران على النفوذ والممرات الاستراتيجية ومستقبل التجارة الإقليمية.
السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في استمرار المشروع إذا نجح باشينيان في الاحتفاظ بالسلطة، ما سيمنح واشنطن موطئ قدم غير مسبوق في المنطقة. أما في حال صعود القوى القومية والمحافظة، فقد تدخل الاتفاقيات في مرحلة من المراجعة أو التعطيل، الأمر الذي قد يعيد خلط الأوراق الإقليمية ويؤجل مشاريع السلام والتطبيع الجارية. وفي كل الأحوال، يبدو أن جنوب القوقاز مقبل على مرحلة أكثر حساسية قد تحدد شكل التوازنات بين الشرق والغرب لسنوات طويلة قادمة.



