الكوماندوز الفرنسي يقتحم ناقلة نفط روسية في عرض الأطلسي.. باريس ولندن تفتحان جبهة جديدة ضد أسطول الظل
وفقًا لتقرير نشرته صحيفة الجارديان البريطانية، أعلنت فرنسا احتجاز ناقلة نفط يُشتبه في ارتباطها بروسيا خلال عملية عسكرية جرت في المحيط الأطلسي، في خطوة تُعد من أكثر التحركات الأوروبية جرأة منذ بدء الحرب الروسية الأوكرانية. العملية، التي نُفذت بدعم بريطاني وشركاء أوروبيين، استهدفت ناقلة تحمل اسم “تاجور” كانت تبحر في المياه الدولية قادمة من ميناء مورمانسك الروسي، وسط اتهامات بالتحايل على العقوبات الغربية المفروضة على موسكو.
وتكشف هذه العملية عن تصعيد جديد في المواجهة الاقتصادية والبحرية بين الغرب وروسيا، حيث تسعى الدول الأوروبية إلى تضييق الخناق على ما يُعرف بـ”أسطول الظل” الروسي، وهو شبكة من السفن التي يُعتقد أنها تُستخدم لنقل النفط الروسي بعيدًا عن أنظمة الرقابة والعقوبات الدولية. ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه الضغوط الغربية لحرمان موسكو من عائدات الطاقة التي تُعد أحد أهم مصادر تمويل الحرب في أوكرانيا.
عملية إنزال جوي مثيرة في قلب الأطلسي
نفذت البحرية الفرنسية العملية على بعد أكثر من 740 كيلومترًا غرب سواحل بريتاني الفرنسية، حيث هبطت قوات كوماندوز بحرية بواسطة مروحيات عسكرية على متن الناقلة المشتبه بها.
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نشر مقطع فيديو للعملية عبر منصة “إكس”، مؤكدًا أن التدخل تم في إطار القانون الدولي وبالتنسيق مع المملكة المتحدة وشركاء آخرين. وأوضح أن السفينة كانت خاضعة لعقوبات دولية وأنها حاولت الإبحار تحت علم غير صحيح، ما أثار الشكوك حول هويتها الحقيقية ومسارها التجاري.
ويُنظر إلى هذه العملية باعتبارها رسالة مباشرة إلى الشركات والجهات التي تحاول الالتفاف على العقوبات المفروضة على روسيا عبر تغيير الأعلام أو استخدام شبكات شحن معقدة لإخفاء مصدر النفط المنقول.

لماذا استهدفت فرنسا ناقلة “تاجور”؟
بحسب السلطات الفرنسية، كانت الناقلة قادمة من ميناء مورمانسك الروسي ومتجهة إلى مدينة ليمبي في الكاميرون، لكنها كانت ترفع علم الكاميرون بصورة غير قانونية.
وخلال عملية التفتيش، أكدت الفرق البحرية الفرنسية وجود مخالفات تتعلق بتسجيل السفينة ووثائقها الرسمية، ما دفع السلطات إلى تحويل مسارها وإجبارها على التوجه إلى منطقة خاضعة للرقابة الفرنسية لإجراء تحقيقات إضافية.
كما كشفت باريس أن السفينة مدرجة ضمن قوائم العقوبات الأوروبية والأمريكية، وأنها كانت تخضع للمراقبة منذ فترة طويلة بسبب الاشتباه في مشاركتها بعمليات نقل نفط مرتبطة بالشبكات الروسية التي تعمل خارج النظام التجاري التقليدي.
غضب روسي واتهامات بـ”القرصنة الدولية”
لم تتأخر موسكو في الرد على الخطوة الفرنسية، حيث وصف المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف عملية الاحتجاز بأنها “غير قانونية” وتقترب من مستوى “القرصنة الدولية”.
وأكد المسؤول الروسي أن بلاده ستتخذ الإجراءات اللازمة لحماية شحناتها ومصالحها البحرية، معتبرًا أن احتجاز السفن في المياه الدولية يشكل سابقة خطيرة قد تؤدي إلى مزيد من التوتر بين روسيا والدول الغربية.
كما أعلنت السفارة الروسية في باريس أنها طلبت توضيحات رسمية من السلطات الفرنسية بشأن مصير أفراد الطاقم، خاصة بعد ورود معلومات أولية تشير إلى أن قبطان السفينة يحمل الجنسية الروسية.
“أسطول الظل”.. السلاح الروسي لمواجهة العقوبات
منذ فرض العقوبات الغربية على صادرات النفط الروسية، اعتمدت موسكو بشكل متزايد على ما يُعرف بـ”أسطول الظل”، وهو شبكة ضخمة من السفن التي تعمل بطرق معقدة لتجاوز القيود المفروضة على التجارة البحرية.
وتعتمد هذه السفن على تغيير الأعلام بشكل متكرر، أو استخدام تسجيلات بحرية غير واضحة، أو نقل الشحنات بين السفن في عرض البحر لإخفاء مصدر النفط الحقيقي.
وتشير تقديرات أوروبية إلى أن نحو 600 سفينة مرتبطة بهذا الأسطول أصبحت خاضعة للعقوبات الأوروبية، فيما تسعى لندن وباريس إلى تشديد الرقابة على الممرات البحرية الرئيسية لمنع استمرار هذه العمليات.

تحالف فرنسي بريطاني لتشديد الحصار البحري
العملية الأخيرة تعكس مستوى غير مسبوق من التنسيق بين فرنسا والمملكة المتحدة في ملف العقوبات البحرية.
وكان رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر قد منح في وقت سابق القوات البريطانية صلاحيات أوسع لاعتراض السفن المرتبطة بـ”أسطول الظل” الروسي، في إطار استراتيجية مشتركة تهدف إلى تقليص قدرة موسكو على تصدير النفط بعيدًا عن الرقابة الغربية.
ويرى مراقبون أن هذه السياسة قد تؤدي إلى زيادة عمليات التفتيش والاحتجاز خلال الأشهر المقبلة، خاصة في المحيط الأطلسي والبحر المتوسط، حيث تمر نسبة كبيرة من حركة النفط المرتبطة بالشبكات الروسية.
ماذا يعني هذا التطور؟ وما السيناريو المتوقع؟
يمثل احتجاز ناقلة “تاجور” تحولًا مهمًا في طريقة تطبيق العقوبات الغربية على روسيا، إذ لم تعد الإجراءات تقتصر على القيود المالية والمصرفية، بل امتدت إلى عمليات ميدانية مباشرة في البحار الدولية.
إذا استمرت هذه السياسة، فقد تواجه موسكو صعوبات أكبر في تصدير النفط، ما قد يؤثر على عائداتها المالية ويزيد الضغوط على اقتصادها. وفي المقابل، قد تدفع هذه الخطوات روسيا إلى تعزيز حماية خطوطها البحرية أو البحث عن مسارات بديلة أكثر تعقيدًا لنقل النفط.
أما على المستوى الدولي، فمن المرجح أن تشهد الفترة المقبلة مزيدًا من الاحتكاكات البحرية بين روسيا والدول الغربية، خاصة مع استمرار الحرب في أوكرانيا وتوسع العقوبات المفروضة على قطاع الطاقة الروسي، ما يجعل البحار إحدى الساحات الرئيسية للمواجهة الجيوسياسية بين الطرفين.



