بعد أرباح قياسية بسبب حرب إيران.. ملاك ناقلات النفط يحذرون من انهيار وشيك يهدد المليارات

وفقًا لتقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز، يعيش قطاع ناقلات النفط العالمي مفارقة استثنائية؛ فبعد أشهر قليلة فقط من تحقيق أرباح تاريخية مدفوعة بتعطل الملاحة في مضيق هرمز نتيجة الحرب الإيرانية، بدأت أكبر شركات الشحن البحري في العالم تدق ناقوس الخطر محذرة من انهيار محتمل في السوق قد يبدد المكاسب الضخمة التي تحققت خلال الفترة الماضية.
وحقق ملاك الناقلات أرباحًا قياسية بلغت نحو 36 مليار دولار خلال الربع الأول من عام 2026، مستفيدين من الارتفاع الحاد في أسعار الشحن ونقص السفن المتاحة بعد تعطل أحد أهم الممرات النفطية في العالم. إلا أن التوقعات بتوصل الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق يعيد فتح مضيق هرمز دفعت العديد من التنفيذيين إلى التحذير من موجة هبوط قوية قد تضرب القطاع، خاصة بعد اندفاع الشركات إلى طلب بناء أعداد ضخمة من السفن الجديدة اعتمادًا على الأرباح الاستثنائية الحالية.

حرب إيران صنعت عصرًا ذهبيًا لناقلات النفط
منذ اندلاع الحرب في فبراير الماضي، تحول مضيق هرمز إلى نقطة اختناق رئيسية للتجارة النفطية العالمية. ويُعد المضيق شريانًا حيويًا يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، ما أدى إلى اضطرابات واسعة في حركة النقل البحري بمجرد تعطل الملاحة فيه.
هذا الوضع خلق فرصة استثنائية لشركات الشحن البحري، حيث ارتفعت أسعار تأجير الناقلات إلى مستويات غير مسبوقة. ووجد مالكو السفن أنفسهم أمام طلب عالمي متزايد على خدماتهم، بالتزامن مع تراجع عدد الناقلات المتاحة نتيجة احتجاز عشرات السفن داخل الخليج أو اضطرارها إلى تغيير مساراتها لمسافات أطول وأكثر تكلفة.
قفزة تاريخية في الأرباح وأسعار الشحن
الأرقام التي سجلها القطاع خلال الأشهر الأخيرة تعكس حجم الطفرة غير المسبوقة. فقد ارتفعت الأرباح الفصلية لصناعة ناقلات النفط إلى 36 مليار دولار، وهو أعلى مستوى يتم تسجيله في تاريخ القطاع، متجاوزًا الرقم القياسي السابق الذي تحقق عام 2022.
كما قفزت أسعار استئجار بعض الناقلات العملاقة إلى ما يقرب من 387 ألف دولار يوميًا خلال ذروة الأزمة، مقارنة بمعدلات تاريخية تراوحت عادة بين 30 و40 ألف دولار فقط. هذا الارتفاع الضخم أغرى العديد من الشركات بإعادة ضخ الأرباح في شراء سفن مستعملة أو التعاقد على بناء ناقلات جديدة، وهو ما يثير اليوم مخاوف من تخمة معروض قد تقود إلى انهيار الأسعار لاحقًا.
شبح الانهيار يلوح في الأفق
رغم استمرار التوترات الجيوسياسية، بدأت الأسواق بالفعل في تسعير احتمال إعادة فتح مضيق هرمز خلال الفترة المقبلة. ومع تزايد الحديث عن تفاهمات سياسية محتملة بين واشنطن وطهران، انخفضت أسعار الشحن تدريجيًا من مستوياتها القياسية.
ويخشى قادة القطاع من تكرار سيناريوهات تاريخية شهدتها صناعة النقل البحري عدة مرات، عندما دفعت فترات الازدهار الشركات إلى طلب أعداد هائلة من السفن الجديدة، قبل أن تجد نفسها لاحقًا أمام فائض ضخم في الطاقة التشغيلية يؤدي إلى انهيار الأسعار وتراجع الأرباح لسنوات طويلة.
سباق بناء السفن قد يتحول إلى أزمة
تشير بيانات شركات الملاحة العالمية إلى أن عدد طلبات بناء الناقلات العملاقة خلال عام 2026 تجاوز بالفعل إجمالي الطلبات المسجلة في أي عام كامل سابق. وهذا يعني أن السوق قد تستقبل موجة ضخمة من السفن الجديدة خلال السنوات المقبلة.
ويحذر خبراء القطاع من أن المشكلة لا تكمن في الطلب الحالي، بل في توقيت دخول هذه السفن إلى الخدمة. فإذا عادت حركة الملاحة في مضيق هرمز إلى طبيعتها وتراجعت الحاجة إلى المسارات الطويلة البديلة، فقد تواجه الشركات فائضًا كبيرًا من السفن مقارنة بحجم الطلب الفعلي، وهو ما يضغط بقوة على أسعار النقل البحري.
اليونان الرابح الأكبر والأكثر قلقًا
تظل اليونان اللاعب الأهم في سوق ناقلات النفط العالمية، إذ يمتلك ملاك السفن اليونانيون أكبر أسطول ناقلات في العالم بقيمة تتجاوز 66 مليار دولار. ولهذا السبب تتابع الشركات اليونانية تطورات الأزمة عن كثب، لأنها ستكون الأكثر تأثرًا بأي تحول جذري في السوق.
ورغم المخاوف المتزايدة، يرى بعض التنفيذيين أن التهديد قد يكون أقل حدة مما يتوقعه المتشائمون، مشيرين إلى أن السوق عانت لسنوات من نقص في السفن الحديثة، وأن الطلبيات الجديدة قد تساعد في سد هذا العجز بدلًا من التسبب في فائض كبير.
ماذا يعني ذلك للاقتصاد العالمي؟
لا يقتصر تأثير هذه التطورات على شركات الشحن وحدها، بل يمتد إلى أسواق الطاقة العالمية وسلاسل الإمداد الدولية. فعودة مضيق هرمز للعمل بكامل طاقته قد تؤدي إلى خفض تكاليف نقل النفط وتراجع الضغوط على أسعار الطاقة، وهو ما قد يمنح الاقتصادات المستوردة متنفسًا بعد أشهر من الاضطرابات.
لكن في المقابل، قد تدخل صناعة النقل البحري مرحلة جديدة من التقلبات الحادة، خاصة إذا استمرت الشركات في توسيع أساطيلها بوتيرة أسرع من نمو الطلب العالمي. ومن المرجح أن يكون النصف الثاني من عام 2026 حاسمًا في تحديد ما إذا كانت أرباح الحرب ستتحول إلى أزمة فائض أم إلى مرحلة نمو مستدامة لقطاع الشحن البحري العالمي.



