

تدخل إيران جولة حاسمة من المفاوضات النووية مع الولايات المتحدة في مدينة جنيف، وسط أجواء مشحونة وتباين حاد بين التصريحات الدبلوماسية واللغة السياسية الصدامية الصادرة عن الرئيس الأميركي Donald Trump. فبينما تؤكد طهران أن التوصل إلى اتفاق “عادل وسريع” بات ممكنًا، تحوم شكوك جدية حول ما إذا كان البيت الأبيض سيلتزم بالشروط التي تعتبرها إيران خطوطًا حمراء لا يمكن تجاوزها.
المحادثات، التي يقودها من الجانب الإيراني وزير الخارجية عباس عراقجي، ومن الجانب الأميركي المبعوث الخاص Steve Witkoff، تُعد اختبارًا سياسيًا ودبلوماسيًا حساسًا لإدارة ترامب، خاصة في ظل حديث متصاعد عن احتمال تراجعه عن تفاهمات أولية سبق أن قُبلت في جولات غير مباشرة سابقة. ووفقًا لتقرير لصحيفتي الغارديان ووكالات أميركية.
الشروط الإيرانية الثلاثة… أساس الاتفاق أو بوابة الانفجار
تتمسك طهران بثلاثة شروط رئيسية تعتبرها حجر الأساس لأي اتفاق محتمل. أولها الاعتراف “الرمزي” بحق إيران في تخصيب اليورانيوم داخل أراضيها، باعتباره حقًا سياديًا غير قابل للمساومة. ثانيها السماح لها بتخفيف مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب داخل البلاد بدلًا من نقله إلى الخارج. أما الشرط الثالث، فيتمثل في استبعاد برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني من أي قيود تفاوضية.
وترى الدبلوماسية الإيرانية أن هذه النقاط ليست تفاصيل فنية، بل محددات سيادية تمس الأمن القومي. لكن المشكلة تكمن في أن موقف ترامب الشخصي من هذه الشروط لا يزال غامضًا، ما يفتح الباب أمام احتمال نسف أي تفاهم في اللحظة الأخيرة.
عرض أميركي “مرن” دون مقابل فوري
بحسب مصادر قريبة من فريق التفاوض الإيراني، فإن المقترح الأميركي الذي حمله ويتكوف، بدعم من صهر ترامب Jared Kushner، تضمن السماح لإيران بالتخصيب بنسبة لا تتجاوز 5%، وهي نسبة قريبة مما نص عليه اتفاق 2015 في عهد Barack Obama.
غير أن العرض، رغم مرونته التقنية، لم يتضمن أي التزام فوري برفع العقوبات أو إعادة العلاقات الدبلوماسية، ما يعني عمليًا إبقاء إيران تحت ضغط اقتصادي خانق إلى حين استكمال مراحل لاحقة من التفاوض. طهران تعتبر ذلك “خطوة أولى ناقصة”، لكنها لا تستبعد البناء عليها إذا توفرت ضمانات تدريجية لرفع العقوبات.
خطاب ترامب… تصعيد يهدد المسار التفاوضي
في خطاب “حالة الاتحاد”، انحرف ترامب بوضوح عن نبرة التهدئة التي يتبناها فريقه التفاوضي. فقد اتهم إيران بالسعي مجددًا لتطوير أسلحة نووية، واعتبرها “الراعي الأول للإرهاب”، كما حذر من قدرة صواريخها الباليستية على بلوغ أوروبا.
هذه التصريحات، التي جاءت قبل ساعات فقط من انطلاق جولة جنيف، أثارت قلقًا في طهران من احتمال انقلاب سياسي مفاجئ على التفاهمات القائمة. كما ادعى ترامب أن الضربات الأميركية السابقة “محت بالكامل” البرنامج النووي الإيراني، لكنه أضاف أن طهران تحاول “البدء من جديد”، في لهجة توحي بإمكانية التصعيد العسكري.
دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية… صمام أمان قانوني
تحظى مشاركة المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية Rafael Grossi بأهمية خاصة في محادثات جنيف. فغروسي يمتلك السلطة القانونية لتقييم مدى التزام إيران بأي قيود جديدة، وتحديد ما إذا كانت آليات التفتيش المقترحة كافية.
وجوده يمنح الاتفاق المحتمل غطاءً تقنيًا وقانونيًا، ويقلل من فرص التلاعب السياسي بالتفسيرات. كما أن وساطة سلطنة عُمان تضيف بعدًا إقليميًا يهدف إلى منع انزلاق المفاوضات نحو مواجهة عسكرية قد تمتد آثارها إلى كامل الشرق الأوسط.
حسابات الداخل الأميركي… عقدة “اتفاق أفضل من أوباما”
تدرك طهران أن أي اتفاق لن يمر سياسيًا في واشنطن ما لم يتمكن ترامب من تقديمه بوصفه “أفضل” من اتفاق 2015 الذي أبرمته إدارة أوباما. لذلك، يبدي الفريق الإيراني استعدادًا لصياغات تسمح للرئيس الأميركي بحفظ ماء الوجه داخليًا، شرط أن تتضمن مكاسب ملموسة لطهران، وعلى رأسها الإفراج عن أصول إيرانية مجمدة ورفع تدريجي للعقوبات.
في المقابل، حذر ديمقراطيون بارزون من الانجرار إلى حرب جديدة، معتبرين أن الوقت ليس مناسبًا لفتح جبهة صراع أخرى في الشرق الأوسط، خاصة في ظل الحشد العسكري الأميركي المتزايد في المنطقة.
في المحصلة، تبدو المفاوضات وكأنها تسير على خيط رفيع بين فرصة اختراق تاريخي واحتمال انفجار شامل. فالاتفاق “ممكن” وفق طهران، لكنه مشروط بثبات الموقف الأميركي، بينما يبقى السؤال الأهم: هل يلتزم ترامب بما قُدم على طاولة التفاوض، أم يعيد خلط الأوراق في لحظة سياسية حاسمة؟



