ترامب يستعد لفرض أمر واقع في غرينلاند… وأوروبا مطالبة بالتحرك قبل فوات الأوان
تكشف تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالسيطرة على غرينلاند عن تحوّل مقلق في المشهد الجيوسياسي العالمي، يعكس تراجعًا واضحًا عن قواعد الاستقرار النسبي التي سادت مرحلة ما بعد الحرب الباردة. فمن فنزويلا إلى القطب الشمالي، تتقدم سياسة فرض النفوذ بالقوة على حساب القانون الدولي والتفاهمات متعددة الأطراف، في وقت زادت فيه حرب روسيا على أوكرانيا من هشاشة النظام الدولي القائم.
بالنسبة لأوروبا، تمثل هذه التطورات تحديًا مباشرًا لفلسفتها السياسية التي قامت تاريخيًا على كبح القوة الوطنية لصالح نظام قائم على القواعد، واحترام السيادة، والحلول التفاوضية. غير أن الحفاظ على هذا النموذج لم يعد ممكنًا من خلال الخطاب وحده، بل يتطلب من الاتحاد الأوروبي أن يتحول إلى فاعل جيوسياسي أكثر حضورًا، ويبرز هذا التحدي بوضوح في منطقة القطب الشمالي.
القطب الشمالي، الذي كان يُنظر إليه طويلًا باعتباره منطقة سلام وتعاون، أصبح اليوم ساحة تنافس مفتوحة مع توسع الحضور الأمريكي، واستمرار النفوذ الروسي، ودخول الصين لاعبًا مؤثرًا. ورغم أن الاتحاد الأوروبي يمتلك وجودًا مباشرًا في المنطقة عبر دوله الإسكندنافية، فإن الشمال الأوروبي ظل لسنوات خارج صلب النقاشات الأمنية والاستراتيجية الأوروبية، مستفيدًا من استقراره النسبي.
عودة اهتمام ترامب بغرينلاند غيّرت هذه المعادلة، ودَفعت بعض الدول الأوروبية إلى إصدار بيانات دفاع عن السيادة، لكنها كشفت في المقابل عن غياب رؤية أوروبية موحدة. فقد قابلت مؤسسات الاتحاد الأوروبي هذه التهديدات بصمت أو مواقف حذرة، دون طرح مبادرة استراتيجية واضحة، وهو ما يعكس أزمة أعمق في كيفية تعامل بروكسل مع ملف القطب الشمالي.
يرى محللون أن قوة الاتحاد الأوروبي لا تكمن في الهيمنة أو الردع العسكري المباشر، بل في قدرته على الجمع والتنسيق بين الفاعلين الإقليميين والدوليين ضمن إطار تعاوني. فالاتحاد لا يزال يشكل العمود الفقري للنظام الاقتصادي القائم على القواعد في شمال الأطلسي، خاصة مع تراجع الدور الأمريكي في قيادة التجارة الحرة.
وفي هذا السياق، تبرز غرينلاند كنقطة اختبار حقيقية. فبينما يدور النقاش في واشنطن حول الاستحواذ أو السيطرة، يفتقر الاتحاد الأوروبي إلى عرض مضاد واضح. ويقترح بعض صناع القرار والخبراء أن تكون الخطوة الجريئة المطلوبة هي عرض عضوية الاتحاد الأوروبي على غرينلاند، وربما ضمن تصور أوسع يشمل جزر فارو وآيسلندا والنرويج، في إطار رؤية جديدة للشمال الأوروبي.
مثل هذا العرض يمكن أن يكون تدريجيًا وعمليًا، يبدأ باتفاقات حول الصيد البحري والاستثمار والبنية التحتية، مع حزم دعم اقتصادي تحترم الثقافة واللغة وحق تقرير المصير لسكان غرينلاند. وهو طرح لا يهدف فقط إلى صد طموحات ترامب، بل إلى تأكيد أن أوروبا قادرة على حماية فضائها الاستراتيجي بأسلوبها الخاص: التعاون بدل الإكراه، والشراكة بدل الهيمنة.



