أزمة الطاقة التي قد تُسقط هيمنة الغرب: كيف تدفع حرب الخليج العالم نحو نظام دولي متعدد الأقطاب؟

وفقًا لتقرير نشره موقع The Cradle، تتشكل ملامح واحدة من أخطر أزمات الطاقة في التاريخ الحديث، وسط استمرار الاضطرابات المرتبطة بمضيق هرمز وتراجع تدفقات النفط القادمة من الخليج العربي. ويرى التقرير أن العالم لا يواجه مجرد أزمة مؤقتة في الإمدادات، بل تحولًا استراتيجيًا قد يعيد رسم خريطة الاقتصاد الدولي ويُسرّع الانتقال من النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة إلى نظام متعدد الأقطاب تتقدم فيه قوى مثل الصين وروسيا.
ويشير التقرير إلى أن اضطراب حركة الطاقة في منطقة الخليج أدى إلى إخراج جزء كبير من الإمدادات النفطية العالمية من الأسواق، ما تسبب في ضغوط متزايدة على الاقتصادات الكبرى والناشئة على حد سواء. وبينما تستنزف الدول احتياطياتها الاستراتيجية لتخفيف الصدمة، تتزايد المخاوف من موجة تضخم عالمية جديدة قد تضرب الأسواق والسلع الغذائية وسلاسل التوريد خلال الأشهر المقبلة. وفي الوقت الذي تستعد فيه العديد من الدول لدفع ثمن الأزمة، تبرز قوى دولية أخرى باعتبارها المستفيد الأكبر من التحولات الجارية.

أزمة نفطية تتجاوز صدمات السبعينيات
بحسب التقرير، يرى عدد من المحللين أن الاضطرابات الحالية في أسواق الطاقة تفوق من حيث التأثير المحتمل أزمات النفط الكبرى التي شهدها العالم خلال العقود الماضية، بما في ذلك أزمة النفط عام 1973 وحرب الخليج.
ورغم أن أسعار النفط لم تشهد حتى الآن قفزات تتناسب مع حجم الاضطرابات، فإن الأسواق ما زالت تراهن على إمكانية التوصل إلى تسويات سياسية تعيد الاستقرار إلى المنطقة. إلا أن خبراء الطاقة يحذرون من أن هذا التفاؤل قد يكون مؤقتًا، لأن إعادة تشغيل الحقول النفطية وسلاسل الشحن البحرية تحتاج إلى وقت طويل حتى بعد انتهاء أي أزمة سياسية أو عسكرية.
ويؤكد التقرير أن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بالإنتاج، بل تشمل أيضًا النقل والتأمين والشحن البحري والبنية التحتية للطاقة، وهي عوامل قد تُبقي الضغوط قائمة حتى في حال تحسن الأوضاع الأمنية.
الاحتياطيات الاستراتيجية تشتري الوقت فقط
لجأت الولايات المتحدة والصين وعدد من الدول الصناعية الكبرى إلى استخدام احتياطياتها النفطية الاستراتيجية بهدف الحد من ارتفاع الأسعار والحفاظ على استقرار الأسواق.
لكن التقرير يشير إلى أن هذه السياسة لا تمثل حلاً طويل الأمد، إذ إن المخزونات الاستراتيجية صُممت لمواجهة أزمات مؤقتة وليس لتعويض نقص مستمر في الإمدادات العالمية. كما أن استمرار السحب من هذه الاحتياطيات قد يقلل هامش المناورة لدى الحكومات إذا تعرض العالم لصدمات إضافية خلال الفترة المقبلة.
ويرى مراقبون أن الاعتماد على المخزون الاستراتيجي يمنح الأسواق فترة هدوء مؤقتة فقط، لكنه لا يعالج جذور الأزمة المتعلقة بأمن الطاقة العالمي واستقرار طرق النقل البحري.
أفريقيا بين التضخم وأزمة الغذاء
يؤكد التقرير أن القارة الأفريقية قد تكون من أكثر المناطق تضررًا من تداعيات أزمة الطاقة الحالية، بسبب ارتباط أسعار الغذاء بشكل مباشر بتكاليف الوقود والأسمدة.
فمع ارتفاع أسعار الطاقة، ترتفع تكلفة إنتاج الأسمدة ونقل المحاصيل وتشغيل المعدات الزراعية، ما ينعكس سريعًا على أسعار المواد الغذائية الأساسية. ويأتي ذلك في وقت تعاني فيه العديد من الدول الأفريقية بالفعل من أزمات اقتصادية وديون مرتفعة ومعدلات تضخم متزايدة.
وتحذر تقديرات اقتصادية من أن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى موجة اضطرابات اجتماعية جديدة في عدد من الدول النامية، خاصة إذا تزامنت مع ارتفاع أسعار الغذاء وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.
الصين تستغل الأزمة لتسريع التحول الأخضر
رغم أن الصين تُعد أكبر مستورد للنفط في العالم، فإن التقرير يرى أنها تمتلك أدوات قد تسمح لها بتحويل الأزمة إلى فرصة استراتيجية.
فبكين تسيطر على حصة ضخمة من صناعة الألواح الشمسية والبطاريات والسيارات الكهربائية، وهي قطاعات تشهد طلبًا متزايدًا مع ارتفاع أسعار الوقود التقليدي. ونتيجة لذلك، قد يؤدي استمرار الأزمة إلى زيادة الاعتماد العالمي على التقنيات النظيفة التي تنتجها الصين.
كما أن توسع صادرات الطاقة المتجددة الصينية يمنح بكين فرصة لتعزيز نفوذها الاقتصادي في الأسواق الناشئة، وتحويل نفسها إلى شريك أساسي للدول الباحثة عن بدائل أقل تكلفة وأكثر استقرارًا من الوقود الأحفوري.
روسيا الرابح الأكبر من اضطرابات الطاقة
يرى التقرير أن روسيا قد تكون المستفيد الاقتصادي الأبرز من استمرار الأزمة، نظرًا لمكانتها كواحدة من أكبر الدول المصدرة للنفط والغاز في العالم.
فمع ارتفاع الأسعار وتزايد حاجة الدول إلى مصادر طاقة بديلة، تتعزز قدرة موسكو على استخدام مواردها الطبيعية كورقة نفوذ سياسي واقتصادي. كما أن الضغوط التي تواجهها الأسواق الأوروبية والآسيوية قد تدفع بعض الحكومات إلى إعادة النظر في سياساتها تجاه الطاقة الروسية.
ويشير التقرير إلى أن العديد من الدول باتت تواجه معادلة صعبة بين الحفاظ على أمنها الطاقوي والاستمرار في سياسات العقوبات أو المواجهة الجيوسياسية، وهو ما قد يمنح موسكو مساحة أكبر للمناورة على الساحة الدولية.
ماذا يعني هذا الحدث؟ وما السيناريو المتوقع؟
تكشف الأزمة الحالية أن أمن الطاقة عاد مجددًا ليصبح أحد أهم محددات النفوذ الدولي في القرن الحادي والعشرين. فالدول التي تمتلك مصادر الطاقة أو التكنولوجيا البديلة أصبحت في موقع أفضل للتأثير في الاقتصاد العالمي مقارنة بالعديد من القوى التقليدية.
أما السيناريو الأكثر ترجيحًا خلال الأشهر المقبلة، فيتمثل في استمرار الضغوط على أسواق الطاقة والغذاء حتى في حال حدوث انفراج سياسي جزئي. كما يُتوقع أن تتسارع جهود الدول لتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة.
وعلى المدى البعيد، قد لا تكون الأزمة مجرد أزمة نفط عابرة، بل محطة تاريخية تُسرّع انتقال مركز الثقل الاقتصادي والسياسي من الغرب إلى نظام دولي أكثر تعددية، تتنافس فيه قوى جديدة على قيادة الاقتصاد العالمي.



