وفقًا لتقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز، تواجه الولايات المتحدة الأمريكية مفارقة اقتصادية لافتة؛ فبعد سنوات من الوعود السياسية بإحياء الصناعة الوطنية وإعادة المصانع من الخارج، لا تزال النتائج الفعلية أقل بكثير من التوقعات. فعلى الرغم من إطلاق برامج ضخمة خلال عهدي الرئيسين دونالد ترامب وجو بايدن، وتدفق مئات المليارات من الدولارات نحو مشاريع التصنيع، بدأت مؤشرات التباطؤ تظهر بوضوح مع تراجع الاستثمارات الجديدة وانخفاض فرص العمل الصناعية. ويكشف التقرير أن العقبات التي تواجه الصناعة الأمريكية لا تتعلق فقط بالمنافسة الخارجية أو الواردات الصينية، بل تمتد إلى مشكلات أكثر تعقيدًا تشمل نقص العمالة الماهرة، والتقلب المستمر في الرسوم الجمركية، وتعقيدات الإجراءات الحكومية. وتطرح هذه التطورات تساؤلات جوهرية حول قدرة الولايات المتحدة على استعادة مكانتها الصناعية التاريخية في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية المتزايدة.
وعود سياسية ضخمة ونتائج محدودة
منذ سنوات، رفع السياسيون الأمريكيون شعار إعادة إحياء المناطق الصناعية التي فقدت الكثير من وظائفها خلال العقود الماضية. وشهدت البلاد بالفعل طفرة في الإنفاق على إنشاء المصانع الجديدة، حيث تضاعفت الاستثمارات الصناعية عدة مرات بين عامي 2017 و2024. كما ارتفع عدد العاملين في القطاع الصناعي ووصل إلى ذروته بعد التعافي من تداعيات جائحة كورونا. لكن رغم هذه المؤشرات الإيجابية، لا تزال الصناعة تمثل نحو 8% فقط من إجمالي الوظائف الأمريكية، وهو مستوى أقل بكثير مما كانت عليه خلال ثمانينيات القرن الماضي.
تراجع الاستثمارات رغم التعهدات الضخمة
يشير التقرير إلى أن الاستثمارات الفعلية في مشاريع التصنيع الجديدة تراجعت بنحو 16% منذ بداية الولاية الثانية للرئيس ترامب في عام 2025، رغم إعلان عشرات الشركات عن خطط استثمارية تتجاوز قيمتها 900 مليار دولار. ويكشف هذا التناقض عن فجوة واضحة بين التعهدات المعلنة والتنفيذ الفعلي على أرض الواقع، حيث تتردد الشركات في ضخ أموال ضخمة في مشاريع طويلة الأجل وسط بيئة اقتصادية وتنظيمية متقلبة.
الرسوم الجمركية تتحول من أداة دعم إلى عقبة
تُعد شركة الأجهزة المنزلية الشهيرة “جي إي للأجهزة” مثالًا واضحًا على التحديات الحالية. فالشركة استثمرت مليارات الدولارات لإعادة جزء من إنتاجها إلى الولايات المتحدة، لكن التغيرات المتكررة في الرسوم الجمركية أربكت حساباتها الاقتصادية. فبعد طلب معدات صناعية متخصصة لتصنيع أجزاء محليًا، فوجئت الشركة بفرض رسوم إضافية رفعت التكلفة بشكل كبير. وتؤكد إدارات الشركات أن المشكلة ليست في وجود الرسوم نفسها، بل في غياب الاستقرار والوضوح، ما يجعل التخطيط للاستثمارات طويلة المدى أكثر صعوبة.
البيروقراطية وتعقيد الموافقات يبطئان المشاريع
إلى جانب الرسوم الجمركية، تواجه الشركات تحديًا آخر يتمثل في تعدد الجهات الحكومية المطلوبة للحصول على الموافقات اللازمة لبناء المصانع أو توسيعها. ويؤدي النظام الإداري المعقد إلى تأخير المشاريع الصناعية ورفع تكلفتها، الأمر الذي يضعف قدرة الولايات المتحدة على المنافسة مع دول توفر إجراءات أسرع وأكثر مرونة لجذب الاستثمارات الصناعية.
أزمة العمالة.. العقبة الأكبر أمام التصنيع
ربما يكون التحدي الأبرز الذي تواجهه الصناعة الأمريكية هو نقص العمالة المؤهلة. فالكثير من المصانع الجديدة تجد صعوبة في استقطاب موظفين أو الاحتفاظ بهم لفترات طويلة. وتشير تجارب شركات كبرى إلى أن معدلات ترك العمل في بعض المصانع كانت مرتفعة للغاية خلال السنوات الأولى من التشغيل. ويرى خبراء أن الصورة الذهنية السلبية عن القطاع الصناعي لدى الأجيال الجديدة تدفع الكثير من الشباب إلى تفضيل العمل في قطاعات التكنولوجيا والخدمات على حساب المصانع.
الصين ما زالت تحتفظ بالتفوق الصناعي
رغم الجهود الأمريكية المكثفة، لا تزال الصين تحتفظ بمكانتها كأكبر قوة صناعية في العالم منذ أن انتزعت الصدارة من الولايات المتحدة عام 2010. كما تواصل السوق الأمريكية استيراد ما يقارب ثلاثة تريليونات دولار من السلع المصنعة سنويًا، وهو ما يعكس استمرار الاعتماد الكبير على الإنتاج الخارجي، رغم سياسات إعادة التوطين والتشجيع الصناعي التي تبنتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة.
ماذا يعني هذا التطور؟
يكشف التقرير أن إعادة بناء قاعدة صناعية ضخمة ليست مجرد مسألة قرارات سياسية أو حوافز مالية، بل تحتاج إلى بيئة متكاملة تشمل الاستقرار التشريعي، وتوافر العمالة الماهرة، وسهولة الإجراءات، والبنية التحتية المناسبة. كما يوضح أن التنافس الصناعي العالمي أصبح أكثر تعقيدًا من مجرد نقل المصانع من دولة إلى أخرى.
السيناريو المتوقع
إذا استمرت العقبات الحالية دون حلول جذرية، فقد تواجه الولايات المتحدة صعوبة في تحقيق أهدافها المتعلقة بإعادة التصنيع على نطاق واسع. أما إذا نجحت الحكومة في معالجة نقص العمالة وتبسيط الإجراءات وتوفير رؤية طويلة الأجل للسياسات التجارية، فقد تتمكن من استعادة جزء من قدرتها الصناعية تدريجيًا خلال السنوات المقبلة. ومع ذلك، يبدو أن الطريق نحو “النهضة الصناعية الأمريكية” سيكون أطول وأكثر تعقيدًا مما تصورته الخطابات السياسية.



