مسيّرات روسية فائقة السرعة تضع الدفاعات الأوكرانية تحت ضغط غير مسبوق

في تطور لافت لمسار الحرب الجوية بين موسكو وكييف، بدأت روسيا في نشر جيل جديد من الطائرات المسيّرة الهجومية بعيدة المدى، وسط تحذيرات خبراء عسكريين من أن هذه المنظومات قد تشكّل تحديًا خطيرًا لقدرات الدفاع الجوي الأوكراني المتآكلة. المسيّرة الجديدة، المعروفة باسم “غيران-5”، لا تمثل مجرد تحديث تقني عابر، بل تعكس تحولًا واضحًا في العقيدة الروسية لاستخدام الطائرات دون طيار، من الاعتماد على الكثافة العددية إلى التركيز على السرعة والتكنولوجيا المتقدمة. هذا التطور يأتي في وقت تعترف فيه كييف بتزايد صعوبة اعتراض الهجمات الجوية، وتثير في الوقت ذاته جدلًا دوليًا واسعًا حول مصادر المكونات المستخدمة في هذه المسيّرات، والتي يُعتقد أن بعضها غربي وصيني الصنع، ما يفتح بابًا جديدًا للصراع السياسي والتقني حول سلاسل التوريد في زمن الحرب.
غيران-5.. مسيّرة مختلفة بقالب أقرب للطائرات التقليدية
تشير بقايا المسيّرات التي أسقطتها الدفاعات الأوكرانية مطلع يناير إلى أن “غيران-5” تختلف جذريًا عن الإصدارات السابقة المستوحاة من مسيّرات “شاهد” الإيرانية ذات التصميم المثلث. فالمسيّرة الجديدة تتمتع بجسم أسطواني طويل وأجنحة جانبية، ما يمنحها مظهرًا أقرب إلى الطائرات النفاثة الصغيرة. هذا التصميم، إلى جانب اعتمادها على محرك نفاث صيني الصنع، يعزز من قدرتها على الطيران بسرعات عالية وثبات أكبر، ويجعل اكتشافها واعتراضها أكثر تعقيدًا، خاصة في المراحل الأخيرة من الهجوم.
السرعة كسلاح… نافذة الاعتراض تضيق
بسرعة قصوى تُقدَّر بنحو 600 كيلومتر في الساعة، تتفوق “غيران-5” بشكل ملحوظ على النسخ السابقة مثل “غيران-3”، التي لم تتجاوز سرعتها 400 كيلومتر في الساعة. هذا الفارق الزمني البسيط ظاهريًا يُترجم ميدانيًا إلى تقليص حاسم للوقت المتاح أمام وحدات الدفاع الجوي الأوكرانية للتعامل مع التهديد. فرق الدفاع الجوي المتنقلة، التي تعتمد على شاحنات خفيفة ورشاشات ثقيلة، كانت قد حذّرت سابقًا من أن زيادة سرعة المسيّرات تجعل عملية إسقاطها أشبه بمحاولة اصطياد هدف سريع الحركة في ثوانٍ معدودة.
مدى أطول وحمولة أثقل… خيارات هجومية أوسع
يصل مدى “غيران-5” إلى قرابة ألف كيلومتر، مع قدرة على حمل رأس متفجر يزن نحو 90 كيلوغرامًا، ما يمنحها مرونة كبيرة في استهداف العمق الأوكراني. تقارير غير مؤكدة تحدثت عن احتمال تطوير تكتيك جديد يتمثل في إطلاق المسيّرة من الجو عبر طائرات مأهولة، الأمر الذي قد يضاعف من مداها ويُربك أنظمة الإنذار المبكر. هذا السيناريو، إن تحقق، سيمنح موسكو قدرة أكبر على تجاوز الدفاعات التقليدية وتوسيع نطاق الضربات بعيدة المدى.
إنتاج متسارع ورسائل سياسية من موسكو
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي صرّح بأن روسيا باتت تنتج أعدادًا من المسيّرات والصواريخ تفوق ما تستخدمه فعليًا في الهجمات اليومية. ووفق تقديراته، قد يصل الإنتاج الروسي إلى نحو 500 مسيّرة يوميًا، وهو رقم يعكس قفزة كبيرة مقارنة بالعام الماضي. هذا الفائض الإنتاجي يُفسَّر على أنه رسالة استراتيجية مفادها أن موسكو تستعد لحرب استنزاف طويلة، وتراكم مخزونًا يمكن استخدامه في موجات هجوم مركّزة مستقبلًا.
مكونات غربية وصينية تثير جدلًا دوليًا
أحد أكثر الجوانب إثارة للقلق في ملف “غيران-5” هو ما أعلنته الاستخبارات الأوكرانية بشأن احتوائها على مكونات مصدرها دول غربية، بما في ذلك شرائح إلكترونية يُعتقد أنها أمريكية الصنع، إلى جانب أجزاء ألمانية وصينية. هذه المزاعم تعيد فتح النقاش حول فعالية العقوبات المفروضة على روسيا، وقدرتها على منع وصول التقنيات الحساسة إلى الصناعات العسكرية الروسية، في وقت تتهم فيه موسكو الغرب بالنفاق التقني والسياسي.
تحول في استراتيجية المسيّرات الروسية
تقارير بحثية حديثة تشير إلى أن روسيا لم تعد تركّز فقط على زيادة عدد المسيّرات المستخدمة يوميًا، بل على تطوير قدراتها التقنية، مثل تزويد بعض الطرازات بكاميرات بث مباشر وأنظمة اتصال متقدمة تسمح بالتحكم الدقيق أثناء الطيران. هذا التحول يتطلب تجهيزات متخصصة وتدريبًا عالي المستوى للمشغّلين، ما يعكس انتقال الحرب الجوية إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث تصبح التكنولوجيا والمهارة عاملين حاسمين في كسر توازن الدفاعات الجوية الأوكرانية.



