سباق التسلح البحري يتصاعد.. روسيا تطور درعًا ذكيًا لمواجهة هجمات المسيّرات

وفقًا لتقرير نشرته منصة NewsAviation، عرضت شركة شڤابي التابعة لمجموعة “روستيخ” الروسية نموذجًا أوليًا لنظام جديد لاعتراض الطائرات المسيّرة مخصص لحماية السواحل والمياه الإقليمية، يعتمد على توجيه بالذكاء الاصطناعي وشبكات عصبية في المرحلة النهائية من الاشتباك. وجاء الكشف خلال معرض “Fleet 2026” البحري في مدينة كرونشتادت بسانت بطرسبرغ، حيث تسعى روسيا إلى إبراز أحدث تقنياتها في مجال الدفاع الساحلي ومواجهة التهديدات الجوية والبحرية منخفضة التكلفة. ويعكس النظام الجديد تصاعد التركيز الروسي على تطوير حلول أوتوماتيكية لمواجهة الطائرات بدون طيار، التي أصبحت عنصرًا حاسمًا في الصراعات الحديثة، خاصة في ظل الضربات الأوكرانية المتكررة ضد أهداف بحرية وبنية تحتية روسية.
منظومة ثلاثية تعتمد على الرصد والتدخل الموجه
يتكون النظام الجديد من ثلاث وحدات رئيسية مترابطة: محطة رصد كهروبصرية أرضية، وطائرات مسيّرة اعتراضية، وغرفة تحكم للمشغل البشري. وتعمل محطة الرصد على نقل صورة مباشرة للفضاء الجوي فوق المنطقة المحمية، ما يتيح اكتشاف التهديدات في الوقت الفعلي. وعند رصد هدف معادٍ، يقوم المشغل بالموافقة على عملية الاعتراض وإطلاق الطائرة المسيّرة. بعد ذلك تتولى أنظمة التوجيه الأرضية قيادة الطائرة نحو الهدف، قبل أن تتدخل خوارزميات الشبكات العصبية في المرحلة النهائية لتوجيه الضربة بشكل ذاتي ودقيق. هذا الدمج بين القرار البشري والذكاء الاصطناعي يعكس اتجاهًا عالميًا متزايدًا في أنظمة الدفاع الحديثة.
الذكاء الاصطناعي في لحظة الاشتباك الحاسمة
أبرز ما يميز النظام الروسي هو نقل جزء من عملية الاشتباك النهائي إلى الذكاء الاصطناعي، حيث تتولى الخوارزميات التحكم في الطائرة الاعتراضية خلال اللحظات الأخيرة قبل الاصطدام. ويهدف هذا التصميم إلى تجاوز القيود البشرية المتعلقة بسرعة رد الفعل والدقة في اللحظات الحرجة، خصوصًا في مواجهة الطائرات المسيّرة التي تتحرك بسرعات منخفضة نسبيًا لكنها تعتمد على المناورة الدقيقة. ويحتفظ النظام في الوقت نفسه بدور بشري في مرحلة اتخاذ القرار، ما يضعه ضمن نماذج “الإنسان في الحلقة” التي تعتمدها أيضًا بعض الأنظمة الغربية، في محاولة لتحقيق توازن بين الفعالية التشغيلية والمسؤولية القانونية.
مواجهة مباشرة مع تهديدات الطائرات المسيّرة الأوكرانية
يأتي الكشف عن النظام الجديد في سياق عسكري متصاعد، حيث تواجه روسيا منذ فترة طويلة هجمات متكررة بطائرات مسيّرة تستهدف مواقع بحرية وبنى تحتية استراتيجية. وتشمل هذه الهجمات زوارق مسيّرة وضربات جوية بعيدة المدى طالت منشآت في شبه جزيرة القرم ومنشآت وقود ورادارات على طول السواحل الروسية. هذا الواقع الميداني جعل من الدفاع ضد الطائرات المسيّرة أولوية ملحّة، وليس مجرد تطوير نظري، ما يفسر تسارع موسكو في تقديم حلول تعتمد على الأتمتة والذكاء الاصطناعي لتقليل زمن الاستجابة وتحسين دقة الاعتراض.
روستيخ وشبكات الصناعات الدفاعية الروسية
تعد شركة “شڤابي” إحدى أبرز أذرع مجموعة “روستيخ” الروسية، المتخصصة في الصناعات الدفاعية، خاصة في مجالات البصريات والأنظمة الكهروبصرية والتقنيات المرتبطة بالاستشعار الحراري والمراقبة. وتلعب المجموعة دورًا محوريًا في إنتاج معظم الأسلحة التقليدية الروسية، بما في ذلك أنظمة الدفاع الجوي والأسلحة الخفيفة ومكونات الطيران العسكري. ويعكس عرض النظام الجديد في معرض “Fleet 2026” توجهًا روسيًا واضحًا نحو دمج الذكاء الاصطناعي في منظومات الدفاع البحري، ضمن سباق عالمي متسارع لتطوير تقنيات مضادة للطائرات المسيّرة.
نموذج أولي بلا تفاصيل تشغيلية مكتملة
ورغم الإعلان عن النظام، أوضحت التقارير أنه لا يزال في مرحلة النموذج الأولي، دون إعلان رسمي عن دخوله الخدمة أو تفاصيل دقيقة حول قدراته التشغيلية. فلا تزال معلومات مثل مدى الاعتراض، وسرعة الأهداف التي يمكن التعامل معها، وعدد الطائرات الاعتراضية في كل منظومة غير معلنة. ويعكس هذا الغموض نهجًا معتادًا في العروض الدفاعية الروسية، التي تركز على إبراز المفهوم التقني أكثر من تقديم بيانات أداء تفصيلية، ما يترك مساحة لتقييمات مستقبلية حول مدى فعالية النظام في بيئة القتال الحقيقية.
ماذا يعني هذا التطور لمستقبل الدفاع الساحلي؟
يمثل هذا النظام خطوة إضافية في اتجاه عالمي واضح نحو أتمتة الدفاعات الجوية والبحرية، خاصة في مواجهة الطائرات المسيّرة التي غيّرت قواعد الاشتباك العسكري في السنوات الأخيرة. وإذا أثبتت هذه الأنظمة فعاليتها، فقد نشهد تحولًا تدريجيًا نحو دفاع ساحلي يعتمد بشكل أكبر على الذكاء الاصطناعي والاستجابة الآلية السريعة بدل الاعتماد الكامل على التدخل البشري. وفي المقابل، يثير هذا التطور تساؤلات متزايدة حول حدود استخدام الذكاء الاصطناعي في القرارات القتالية، ومستقبل التوازن بين الإنسان والآلة في ساحات الحرب الحديثة.



